أبو الفضل العباس (ع).. الأخوة الخالصة..!
الشيخ اكرم كامل الخفاجي ||

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
كانت أمي (رحمها الله) تُحب أبو الفضل العباس (ع)
وكانت والدتي (رحمها الله) مولعّة بابي الفضل العباس (ع) في حركاتها وسكناتها حتى أنها سمّت احد إخواني بإسمه .. وجعلها تتوسل به الى الله بالإفراج عني عندما أعتقلت في الكرادة الشرقية .. فكان نتيجة توسلها به (ع) أن نزل حُكمي من الإعدام الى سبع سنوات عجاف .. وبعد أن خرجت من السجن قالت أمي : دعنا نذهب الى ابي الفضل (ع) ونشكره على عطاياه الكريمة .. إلهي إرحمها بحق أبي الفضل العباس (ع) .
سألني أحدهم : هل يستلزم وجود أبي الفضل العباس (ع) في كربلاء .. بينما نحن نقول (الثورة الحسينية) أو (النهضة الحسينية) أو (الملحمة الحسينية) أو .. أو .. أو .
وأجبتُ بعد التوكل على الله سبحانه :
إننا نتكلم عن شخصية ، لم يجرؤ الطغاة على التعّرض لحياة الإمام الحسين (ع) مادام العباس (ع) إلى جواره .
وحتى عندما جاء دور البعثيين ومعهم جمعٌ من المنافقين ، وصوّبوا مدافع دباباتهم لضرب قبة الإمام الحسين (ع) .. لم يجرؤا على ضرب قبة أبي الفضل العباس (ع) ! لأن نظرات الكفيل المرعبة حالت دون ذلك .
فيا سيدي : ماذا أقول عنك في هذه العُجالة ، وأنا على يقين أن الكلام يخجل عن الدنو من جلال نور أخوّتك .. ولكني أستطيع أن أستعيرَ كلمة أخيك الحسين (ع) في حقك وفي عرصات كربلاء : (إركب بنفسي أنت) .
وما قاله الإمام الحسين (ع) ذلك إلا ليعلن للملأ أنه يستنجّد بالعباس (ع) لأنه نفسه .. وتلك مزية تفوق مزية الأخوة بدرجات .
وكذلك عندما خاطب الرسول الاعظم (ص) النصارى بقرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار في آية المباهلة (وانفسنا) في حق المرتضى (ع) فكان علي (ع) نفس النبي (ص) ما خلا النبوة ، بالنص القرآني .
فهنا يكون العباس (ع) نفس الحسين (ع) بالنص الولائي الإمامي .. وكلام المعصوم معصوم الكلام .
وعندما يقول الرسول الاعظم (ص) : حسين مني وأنا من حسين .. يكون العباس (ع) نفس الحسين (ع) بالنص النبوي .. فتأمل !
ولما قال النبي الأكرم (ص) : لم يقم الإسلام إلا بأموال خديجة وسيف علي .. فرَحِم الله سبحانه خديجة بفاطمة الزهراء (ع) وهي ام الحسين (ع) فيكون ابن رسوله موازياً للشق المالي للإسلام .. أما سيف علي (ع) فيتجلى في العباس (ع) ، لتكتمل دورة الإسلام المحمدي الأصيل إلى يوم القيامة .
فكان الحسين (ع) بولادته دعوة إلهية عندما اقترن علي بفاطمة (عليهما السلام) .. أما ولادة العباس (ع) فدعوة علوية ، عندما اقترن الإمام علي (ع) مع ام البنين (ع) .. وقد قالها العباس (ع) للقوم وهو يحاججهم في شرعية القتال : أأتركُ من خُلقِتُ لأجله ؟! .
فالعباس (ع) دعوة علوية من أجل الحسين (ع) النبوي ، مما يفضي إلى مجانسة الشخصية العباسية مع الشخصية الحسينية بلحاظ المرتبة النبوية مع الرتبة العلوية .
ثم تعال معي أيها المؤمن الى جواب الإمام الحسين (ع) للذي سأله لماذا حملك هؤلاء النساء قائلاً : شاء الله إن يراني قتيلاً وشاء الله إن يراهن سبايا ؟ .. أليس العباس (ع) كان مع الحسين (ع) ؟
إذن شاء الله أن يرى العباس (ع) قتيلاً أيضاً .. فتكون المشيئة الإلهية والدعوة العلوية من مختصات أبي الفضل العباس (ع) حصراً !
وفي زيارة المعصوم للأئمة الأطهار (ع) لم تذكر مفردة (العبد الصالح) إلا في زيارة الإمام الكاظم (ع) ، وفي زيارة أبي الفضل العباس (ع) فقط .. وذلك لرفعة شأن العباس (ع) بمصاف الإمام المعصوم .
ويعلّق آية الله المعظم الشيخ محمد إبراهيم الكرباسي (طاب ثراه) في كتابه البديع (الخصائص العباسية) قائلاً : (فكما أن الإمام موسى بن جعفر (ع) الذي هو من اولاد فاطمة الزهراء (ع) وهو من آل محمد (ص) يُدعى عند الله بإسم العبد الصالح ، فكذلك ابو الفضل العباس (ع) عندما دعاه الإمام الصادق (ع) بإسم العبد الصالح) .
وإذا كان كذلك شملَ أبا الفضل العباس (ع) التحية والسلام المخصوص في تسليم الصلاة ، حيث نقول في التسليم الثاني : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .. فقولنا هذا في تسليم الصلاة يشمل وبكل كفاءة أبي الفضل العباس (ع) . فكل مصلٍ مسلمٍ هو في الواقع يدعو لأبي الفضل العباس (ع) ويسلّم عليه في صلاته ، وذلك في كل يوم خمس مرات على الأقل .. وهذا حظٌ عظيمٌ لا يناله إلا من هو أهلٌ له كأبي الفضل العباس (ع) .
وقد اجاد احد العلماء في تفسير مفردة (الناصح) التي وردت في زيارة العباس (ع) : «أشهد لك بالتسليم … والنصيحة لخلف النبي المرسل» قائلاً :
لقد استفاض في الأخبار والزيارات الشريفة وصفُ سيدنا العباس بن أمير المؤمنين (عليهما السلام) بوصف (الناصح) ، فقد جاء في بعضها : «أشهد لَقَدْ نَصَحْتَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأخِيكَ فَنِعْمَ الاَخُ المُواسِي» ، وجاء في بعضها الآخر : «أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل» ، وجاء في بعضها الثالث : «وأشهد أنك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود» .
وربما يُتوهم أنّ المراد من اللفظ المذكور هو المُتبادر منه إلى الذهن ، وهو إسداء المشورة إلى الغير ، أو نصحه وتوجيهه .
ولكنّ الأمر ليس كذلك ، فإنّ هذا التبادر ليس إلا لأنس الذهن في هذه الأزمنة بالمعنى المذكور ، والحال أنَّ الأمر لم يكن كذلك في زمن النص ، فإنّ لفظ النصيحة ومشتقاته كان يستخدم حينها بمعانٍ أخرى غير هذا المعنى ، ومما يشهد لذلك قول النبي (ص) : قال الله (عزّ وجلّ) : «أحب ما تعبّد لي به عبدي النصح لي» ، فإنّ النصح لله تعالى لا يمكن إطلاقًا أن يكون بمعنى إسداء المشورة له تعالى .
وهكذا هو قوله (ص) : «من ضمن لي خمساً أضمن له الجنة : النصيحة لله عز وجل ، والنصيحة لرسوله ، والنصيحة لكتاب الله ، والنصيحة لدين الله ، والنصيحة لجماعة المسلمين» ، ومثله قوله (ص) : «من لم يُصبِحْ ويُمسِ ناصحاً لله ولرسولِه ولكتابِه ولإمامِه ولعامةِ المسلمين ؛ فليسَ منهم» ، فإنّ النصيحة لكتاب الله تعالى في الحديثين لا يمكن أن تكون بالمعنى المتبادر في هذا الزمان .
وكذلك قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً …) التحريم – 8 .
ما يعني أنّ النصيحة تأتي بمعنى آخر هو المتعيّن والمقصود في مثل هذه النصوص الشريفة ، ويمكن استيضاحه من خلال الرجوع إلى معاجم اللغة العربية وتتبع الاستعمالات ، فنرى ان المعنى هو (الإخلاص والصفاء) ، حيث يقال : «نَصَحَ الْجَوُّ» بمعنى : صَفَا ، ويقال : «نَصَحَ الْمَعْدنُ» : بمعنى : خَلَصَ ، ويقال : «نَصَحَتْ تَوْبَتُهُ» بمعنى : خَلَصَتْ مِن شَوَائِبِ العَزْمِ عَلَى الرُّجُوعِ ، ويقال : «نَصَحَ قَلْبُهُ» بمعنى : خَلَا مِنَ الغِشِّ ، ويقال أيضاً : «نَصَحَ العَمَلَ» بمعنى : أَخْلَصَهُ ، ويقال : «نَصَحَ العَسَلَ» : بمعنى صَفَّاهُ ، ويقال : «نَصَحَ لَهُ الوُدَّ» : بمعنى : أَخْلَصَهُ ، ومَحَضَهُ إِيَّاهُ .
وإنما أُطلق (النصح) على التوجيه والإرشاد والمشورة ، لكونها تنبعث عن الإخلاص في العلاقة بين الناصح والمنصوح .
وإذا اتضح أنّ معنى النصح هو ما ذكرناه اتضح معنى النصح لله تعالى ، فهو الإخلاص التام له تعالى وعدم الشرك به ، وتنقية القلب من جميع الشوائب التي تكدّر صفو العلاقة النقية معه تبارك وتعالى ، كما اتضح بذلك معنى صفة النصح التي تحلّى بها مولانا وسيدنا العباس (ع) ، فإنّ نصحه لأخيه سيد الشهداء (ع) بمعنى إخلاصه التام في محبته والاعتقاد بإمامته ، والتفاني المطلق في خدمته وطاعته ، وتحقيق ذلك بأعلى مراتبه ومستوياته ، وهذا هو معنى «وأشهد أنك قد بالغتَ في النصيحة» فإنّ مبالغته في النصيحة تعني تحقيقه الإخلاص لسيد الشهداء (ع) بأعلى الدرجات وأرقى المستويات ، ونظراً لذلك فقد أشاد أئمة الهدى (عليهم السلام) بوصفهِ هذا في النصوص المتقدمة ، بل جعلوه متعلقاً للاعتقاد ، كما تشفُّ عن ذلك كلمة (وأشهد) .
يُذكر أنه لما أدخلت الرؤوس على يزيد إبن معاوية .. أخذ يسألهم عن أصحابها فيجيبوه .. هذا فلان وهذا فلان .. وبينما هو كذلك إذ لَفتَ انتباهه رأس مهيب موضوع في سلة معلقة في عنق الجواد (وكانت هذه عادة العرب في ذلك الوقت لحمل رأس القتيل الذي لم يهزمه أحد في المعارك ، حيث يعلّق في عنق الجواد فخراً بقتله) .. فتسمّرت أقدامه أمام ذلك الرأس منبهراً ومتعجباً .. فقد كان يشع بالنور والجمال رغم عظيم جراحاته .
إقترب منه وشاهد سهماً مكسوراً في عينه اليمنى وقد شج العمود هامته بجرح بليغ قاتل .
سألهم : لمن هذا الرأس ؟
فأجاب أحدهم : إنه رأس العباس بن علي !
قال يزيد : وما كان شأنه ؟
فقالوا له : كان قائد القلب لعسكر أخيه الحسين وحامل لوائه .
سأل : وأين اللواء ؟
فأجابوه : إنه مع الغنائم أيها الأمير .
فقال لهم : عليّ به .
ثم رجع الى مجلسه أمام الرؤوس .. فأتاه إثنان من الجند يحملان اللواء وكانا يتمايلان به يميناً وشمالاً لثقله حتى إنتهوا به إلى يزيد .. ووضع بين يديه فنظر اللواء وقد هاله ما رأى من الضرب والتمزيق وأثار السيوف والرماح والنبال وقد ملأته تلك الندب إلا موضعاً صغيراً منه بقي سالماً وقد طبعت على مقبضه الحديدي قبضة كف أبي الفضل .
كانت تلك اللحظة خارج شعور يزيد حيث سيطرت عليه هيبة هذا المقاتل الفريد .. فنهض وقال مقولته الشهيرة التي حملها التأريخ : (أبيت اللعن عباس .. هكذا يُحمل اللواء وإلا فلا) .. ثم التفت إلى أصحابه وسألهم : كيف كان قتال القوم ؟
فأجابه الشمر متملقاً كعادة الجبناء … ونطق بالكذب ليغطي على ذل الهزيمة وعار الغدر .. متبجحاً بنصر مصطنع يشوبه الغدر والجبن والخيانة : لقد كانه شربة ماء أيها الأمير .
وأيده خولى بن يزيد الأصبحي قائلاً : كأنه لقمة طعام .
ثم قال آخر : كأنه حلبة صيد يسير .
ولكن يزيد إنتبه الى فارس يقف قربهم كان يهز رأسه معترضاً وقد بدى عليه العجب مما يقولون .
فسأله يزيد : ما قولك أنت ؟
فلم يجب .
فعاد عليه يزيد : ما قولك ؟
فقال الرجل : ألي الامان أيها الأمير ؟
قال يزيد : لك الأمان .. تكلم .
فقال : والله لقد برز لنا قوم مرغوا الأرض بدمائنا .. وأشار إلى رأس العباس بن علي وقال : لما برز لنا صاحب هذا الرأس فررنا بين يديه كالجراد وكنا ما بين هارب ومقتول .. لقد وقف في الميدان ودعا خيرة أبطالنا للمواجهة فلم يسلم منه أحد .. ثم توجه الى النهر وكشف الكتائب وهزم الفرسان ولم يثبت له أحد حتى مَلكَ الفرات بسيفه وملأ القربة .
فقاطعه يزيد سائلاً : وكيف قُتل ؟
فأجابه الفارس وقد طاطأ رأسه الى الأرض : قُتل غدراً !
لقد أطلقنا عليه آلاف السهام فلم يرتدع .. وأحاط به الجيش بين ضرب السيوف وطعن الرماح ورشق النبال والحجارة .. فلم ينكسر .. ولم نتمكن من القربة حتى قطعنا كفيه غدراً .
وبينما هم كذلك إذ علا صوت نحيب وبكاء من بين السبايا .
إنتبه يزيد لذلك وسأل : من هذه الباكية ؟
فقيل له : إنها زينب بنت علي بكت لما سمعت موقف أخيها وما جرى عليه .
فما كان من يزيد وقد إنتبه إلا أن دفع لهم باللواء قائلاً : إبعثوا إليها بلواء أخيها أمامنا لننظر ما تصنع به .. وكان بذلك يريد التشفي منها .. فانتهوا إليها بذلك اللواء .. فلما أخذته ضمته إلى صدرها ووضعت وجهها على مقبض اللواء تشمه وتقبّله وتغمره بدموع عينيها وهي تبكي بكاء يشق القلوب ويقرح الجفون .. وهي تقول : فداك نفسي يا كفيلي أين أنت عن أختك ؟
فهل تسألني بعد كل ذلك : لماذا كان العباس (ع) شريك النهضة أو الثورة الحسينية ؟
ثم ألا تلحظ معي أيها المؤمن أن حديث النبي (ص) : إن لولدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد ابداً .. قد اشترك فيها العباس (ع) الى يوم القيامة .. فأصبح باب الحوائج ؟
يُقال أن في كربلاء قمراً يتكفّل الأمنيات .
يا سيدي يا ابا الفضل اتوسل إليكَ بأبي عبد الله الحسين أن تشافيني وتعافيني .. فقد عجز الطب عن مداواتي .. فالتجأتُ الى عباسية الدواء .. والله سميع مجيب .




