ماذا نستفيد من فكرة الهجرة؟!
العلامة عدنان الجنيد ||

نستفيد من هجرة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – إتقان التخطيط وحسن توظيف الطاقات ..
لقد تم علف الراحلة وتجهيزها قبل أربعة أشهر وبسرية تامة ، وكلَّف علي بن أبي طالب بالنوم في فراشه – صلى الله عليه وآله وسلم – تمويهاً على المشركين وتخذيلاً لهم، وهو دور الفتيان الأقوياء…
وأمَّا دور النِّساء، فيمثِّله قولُ عائشة – كما في البخاري(1) – متحدِّثة عن نفسها وأختها أسماء: ” فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ…”(2)
وأمَّا دور الأطفال، فيمثِّله عبدالله بن أبي بكر، قالت عائشة – كما في البخاري(3) ايضا -: ” ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ…”(4)
ومن كمال التخطيط كان الراعي عامر بن فهيرة يسلك بقطيعه طريق الغار ليُزيل آثار الأقدام المؤدية إليه، ثم يسقي النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وصاحبه من لبن غنمه ..
ومن كمال التخطيط اتخاذ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – عبدالله بن أريقط دليلاً ماهراً عارفاً بالطريق ومتقناً لعمله ، ولذلك أرشدهم – بمهاراته – إلى اتخاذ طريق غير الطريق المعهودة..
بهذا تعلم بأن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ما هاجر إلا بعد أن أتقن التخطيط، واستغل توظيف الطاقات، وعمل بالتمويه، وموُّه في طريق سفره وحركته على الأعداء بسرية تامة، ناهيك عن أنه جنّد العيون والأرصاد.
ونحن علينا كشعب يمني مجاهد أن نحسن إتقان الترتيب و التخطيط في جميع جوانبه في مواجهة أعدائنا ،
وأن نستغل توظيف جميع الطاقات بما يخدم البلد في الدفاع عن سيادتنا ووطننا ..
وعلى المجاهدين أن يعرفوا أساليب العدو وتكتيكاته التي يعتمد عليها في الرصد والاستهداف وتُلحق ضرراً كبيراً وخسائر بشرية ومادية والإجراءات الوقائية منها..
فالمجاهدون معنيون بالإعداد والترتيب والتمويه ؛ لأنه يقلل حجم الخسائر..
يقول قائد الثورة – حفظه الله – : ” القتال مع العدو ليس إلا جزءاً واحداً من أعمال المعركة، والجهاد يرتبط بما قبله من إجراءات وترتيبات، وهو الثمرة التي تقطف لتلك الإجراءات، فإن حصل فيها خلل انعكس ذلك على الثمرة وقت قطافها ..”
على المجاهدين أن يتعلموا من الهجرة النبوية ضرورة السرية في نقل الأخبار الهامة و التحركات العسكرية؛ لأنها قد تسبب الفشل الذريع لدى المجاهدين إذا ما تسربت للعدو..
وكذلك العمل على معرفة مايقوله العدو وما يخطط له ..
كل هذه الأمور لابد أن يعيها المجاهدون من الجيش واللجان الشعبية؛ لأنها من أسباب حصول اللطف والعون الإلهي
الهامش:
(1) “صحيح الإمام البخاري” ح(3905)
(2) – معنى “فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجَهازِ” أي أسرعه، والجَهاز: ما يُحتاج إليه في السَّفر..
– ومعنى “وصنَعْنا لهما سُفْرة” أي الزَّاد الذي يُصْنع للمسافر
– ” في جِراب” أي وعاء يُحْفَظ فيه الزاد ونَحْوه
(3)”صحيح الإمام البخاري” ح (3905)
(4) – فكَمُنَا : أي اختفَيا
– ثقفٌ : حاذق فطن
– لَقِنٌ : سريع الفهم.
– يختلط الظَّلام : تشتد ظلمة الليل..
◾️العلامة عدنان الجنيد.




