أمريكا على خطّ النار… وإيران تغيّر المدار..!
صلاح الزبيدي ||

ليس مفاجئًا أن تدخل الولايات المتحدة الأميركية بشكل أكثر وضوحًا ومباشرة في مسار الصراع الإيراني – الإسرائيلي. فقد كانت واشنطن، منذ سنوات طويلة، الشريك غير المُعلن لإسرائيل في كل حروبها، والداعم اللوجستي والسياسي والعسكري الأول لعدوانها المتكرر على دول المنطقة، وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة. لكن التحول الجديد يتمثل في أن الولايات المتحدة بدأت تتجاوز دور الحليف الداعم، لتتقمص دور الخصم المباشر.
خلال الأشهر الماضية، ومنذ عملية طوفان الأقصى، تبدّى هذا الدور بشكل متسارع وخطير. حاملات الطائرات الأميركية في المتوسط، منظومات الدفاع الجوي التي نُشرت لحماية الكيان، والتنسيق الاستخباراتي العلني، والغارات الجوية التي شاركت بها طائرات أميركية بشكل مباشر على مواقع للمقاومة في سوريا والعراق – كلها إشارات إلى أن واشنطن باتت طرفًا في الميدان، لا مجرد راعٍ للميدان.
في ظل هذا الواقع، تبدو الجمهورية الإسلامية أمام مفترق حاسم: فمقاربة “الاشتباك بالوكالة”، أو “الرد غير المباشر”، لم تعد كافية لردع منظومة ترى في طهران العدو المركزي والهدف النهائي. والاعتماد فقط على أدوات الضغط عبر الحلفاء لم يعد كافيًا، بل قد يُفهم من الطرف الآخر على أنه ضعف أو تردد.
⭕لماذا هذا التوقيت؟؟
الولايات المتحدة تدرك أن الكيان الصهيوني عاجز عن الحسم في غزة، ومتورط حتى أذنيه في فشل استخباراتي وعسكري غير مسبوق. وتدرك أن حزب الله في الشمال يشكل تهديدًا جديًا لأي مغامرة إسرائيلية واسعة. وتعلم – قبل غيرها – أن طهران تملك قدرة ردع حقيقية، وتوازنًا استراتيجيًا في معادلة الإقليم. لذلك، فهي تسعى إلى كسر هذه المعادلة، واستدراج إيران إلى مربع الاستنزاف المباشر، أو فرض واقع جديد من خلال تصعيد مقنّن تشارك فيه بشكل عسكري.
لكن ما لا تفهمه واشنطن – أو تتجاهله عمدًا – أن إيران لم تعد تلك الدولة المحاصرة المعزولة، بل باتت قطبًا إقليميًا متصلاً بعمق مع قوى كبرى كالصين وروسيا، ومتجذرًا في جغرافيا المقاومة من غزة إلى جنوب لبنان، ومن صنعاء إلى بغداد ودمشق.
⭕قواعد اشتباك جديدة: خيار لا مفر منه
الردع لم يعد يُبنى فقط على التهديد، بل على الفعل الميداني المحسوب. على الجمهورية الإسلامية أن تُعلن – صراحة – أن أي تورط أميركي مباشر في استهداف مصالحها أو حلفائها، سيقابله رد مباشر على المصالح الأميركية في الإقليم. هذه ليست مغامرة، بل دفاع مشروع أمام عدو لا يحترم القوانين ولا الحدود.
إيران، بحكم موقعها الجيوسياسي، وثقلها العقائدي والعسكري، لا يمكنها أن تسمح بخلق واقع إقليمي جديد يُدار من القواعد الأميركية في الخليج والبحر المتوسط. الصراع الآن لم يعد صراعًا فلسطينيًا – إسرائيليًا فقط، بل أصبح صراعًا إيرانيًا – أميركيًا بواجهة صهيونية. ولذلك فإن مرحلة ما بعد 7 أكتوبر يجب أن تكون لحظة تحول في طبيعة الاشتباك.
⭕كلمة أخيرة: بين الحذر والحسم
الحذر مطلوب، نعم. لكن التردد مكلف. والرسائل الرمادية لم تعد تُقرأ إلا كلون من ألوان العجز في نظر العدو. على الجمهورية الإسلامية أن توازن بين صبرها الاستراتيجي المعروف، والضرورة الطارئة لفرض خطوط حمراء واضحة لا يمكن تجاوزها.
لقد أثبتت إيران – مرارًا – أنها دولة ذات سيادة، لا تخضع للإملاءات ولا تُستدرج للمصائد. والآن، وهي ترى المسرح يحترق من حولها، عليها أن تُعيد تعريف قواعد اللعبة. ليس من باب الاستفزاز، بل من باب الدفاع المشروع عن نفسها، وعن محور يتعرض لحرب وجودية.




