الخميس - 25 يونيو 2026

سر العداء لبلاد فارس: قراءة تاريخية وتحليلية..!

منذ سنة واحدة
الخميس - 25 يونيو 2026

كاظم الطائي ||

 

سر العداء لبلاد فارس: قراءة تاريخية وتحليلية

كاظم الطائي

يعد العداء لبلاد فارس (إيران القديمة) ظاهرة متجذرة في بعض الروايات التاريخية والخطابات السياسية والدينية، وقد لاحظنا من خلال البحث أن هذا العداء لا ينبع فقط من اعتبارات سياسية أو مذهبية، بل يمتد إلى مواقف تاريخية تعود إلى صدر الإسلام وما قبل ذلك. ويُطرح تساؤل مهم: هل يعود هذا العداء إلى مديح النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لبلاد فارس؟ وهل تكمن خلف هذا الاستهداف جذور حضارية وثقافية تعكس حسداً حضارياً تجاه إرث فارس العريق؟

أولاً: بلاد فارس في التاريخ الإسلامي بلاد فارس كانت من أولى الحضارات التي دخلت الإسلام بعد الفتح الإسلامي، وقد قدّمت للإسلام أعلاماً بارزين كان لهم دورٌ كبير في النهضة العلمية والفكرية، مثل سلمان الفارسي الذي قال فيه النبي (ص): “سلمان منا أهل البيت”. هذه الكلمة تحمل دلالات عميقة، فهي ليست فقط مديحاً لشخص، بل إشارة لاعتراف بمكانة حضارية وثقافية لشعبه.

ثانياً: دلالات مدح الرسول (ص) لسلمان الفارسي عندما مدح النبي سلمان الفارسي، تجاوز بذلك الفوارق القومية والقبلية، وأكد على أن الفضل بالتقوى لا بالعرق أو النسب. بل وذهب بعض الروايات إلى أن النبي قال: “لو كان الدين في الثريا لناله رجال من فارس”، ما يشير إلى توقع مساهمة الفُرس في حفظ الدين وفهمه العميق. هذا المديح، للأسف، قوبل عبر التاريخ بحساسية من بعض القوى التي لم تهضم فكرة دخول أمة “غير عربية” في قلب المشروع الإسلامي بقوة.

ثالثاً: دوافع العداء لبلاد فارس العداء لفارس ليس دينياً خالصاً، بل يتقاطع مع محاور سياسية وتاريخية، ومنها:

الحسد الحضاري: إذ أن فارس تمثل حضارة عريقة سبقت العرب في مجالات كثيرة، وهذا خلق نوعاً من الغيرة والصراع الثقافي.

المواقف السياسية: خاصة في العصر الحديث، حيث لعبت إيران (وريثة فارس) أدواراً سياسية في مواجهة الاستعمار والصهيونية، ما جعلها هدفاً لحملات شيطنة إعلامية.

العامل الطائفي: بعد الثورة الإسلامية في إيران، تجددت حملات العداء لها بغطاء مذهبي، رغم أن هذا العداء موجود قبل ذلك بزمن طويل.

رابعاً: قراءة معاصرة ما نراه اليوم من عداء لبلاد فارس لا يمكن فصله عن الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يروّج لصراعات مذهبية وقومية. لكن بالعودة إلى الجذور، يتضح أن هذا العداء له أبعاد تتعلق بمكانة فارس في الإسلام، ودورها في حفظ التراث العلمي والديني.

إذن- العداء لبلاد فارس ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لصراع حضاري وثقافي تغذيه دوافع سياسية ومذهبية. وما مدح النبي (ص) لسلمان الفارسي إلا دليل على أن الإسلام يتجاوز القوميات والحدود، وهو ما لم تستوعبه بعض النفوس الضعيفة، فحوّلت التقدير إلى كراهية، والمدح إلى عداء.

خامساً: العداء لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الجوانب المهمة التي تتقاطع مع موضوع العداء لفارس، هو العداء التاريخي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). فقد كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله) يُظهر محبته ومكانته الخاصة مراراً، من قوله: “علي مني وأنا من علي”، إلى تصريحه في غدير خم: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.

هذا التمييز النبوي لعلي (ع) أثار في بعض النفوس نزعة عدائية، خاصة من الذين لم يرغبوا في استمرار الرسالة في مسارها الإلهي بعد النبي. وقد ورث البعض هذا العداء جيلاً بعد جيل، حتى أصبح جزءاً من ثقافة الكراهية ضد علي وأهل بيته. ويُعد هذا العداء امتداداً لنفس الذهنية التي لم تتقبل مديح النبي لسلمان الفارسي، فكما لم يُقبل رفع شأن رجل من فارس، لم يُقبل كذلك تفضيل علي (ع) على غيره من الصحابة.

وقد يُبين لنا هذا الأمر حقيقة الحقد الذي تبنّته بعض الأقوام، والذي كان في جوهره قائماً على الحسد والغيرة، لا على أسس موضوعية أو دينية متينة.