الثلاثاء - 30 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الثلاثاء - 30 يونيو 2026

العلامة عدنان الجنيد ||

إن خدمة الناس، ومواساة الفقراء والمساكين، وتوفير كل ما يحتاجونه، مطلوب في كل زمان ومكان، ولكنّ التكافلَ في شهر رمضان يبرزُ أكثر ؛ لأن لهذا الشهر مميزات خاصة، فهو شهر الخيرات والبركات، وهو شهر التجليات والنفحات، شهر النوافل والطاعات، شهر الإنفاق والصدقات، شهرٌ تتضاعف فيه الأجور والحسنات..

إنه شهر التكافل والتضامن الإجتماعي، بجانب أنه شهر التربية الروحية والأخلاقية، والسلوكيات الفاضلة..

إن الصوم مدخلٌ واسعٌ إلى تحقيق معنى التكافل الإجتماعي، فعندما يشعر الصائم بألم الجوع والعطش، فإنه يستشعر حالةَ المحرومين والمعوزين والبائسين، من الفقراء والمساكين والنازحين، الذين لا يجدون ما يدفعون به عنهم مرارة الجوع والظمأ، ولهذا يندفع الصائم إلى مواساتهم، وبذل الخير لهم؛ لأن الصوم قد هذبه، وجعل نزعته الإيمانية في ازدياد، وأصبحت نفسُهُ متعرضةً للنفحات والإمداد…

إن التكافل الإجتماعي خُلُقٌ إسلاميٌ رفيعٌ، ومبدأ إجتماعيٌ قويمٌ، وقد أشار إلى ذلك النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- بقوله : “مثل المؤمنين في توادُّهم وتراحُمِهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى” رواه مسلم ..

وبقوله – صلى الله عليه وآله وسلم -: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. رواه البخاري.

ومعلومٌ أن من مقاصد الشريعةِ وجود المحبة بين المسلمين، أما التباغض وتنافر القلوب فهذا خلاف مقصود الشارع ..

فإذا ما وُجِدَتِ المحبةُ في قلوب المسلمين، بعضهم لبعض، فستراهم يسرعون في فعل الخيرات لإخوانهم، ويزيلون عنهم المضرات.

إن حياة الناس والمجتمعات، لا تقوم إلا على التعاون، وإذا ماتحقق بين أفراده، أصبح مجتمعاً مُحَصّناً من معاول الهدم والتفرقة..

قال تعالى:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[المائدة:2]..

فالشريعةُ الغرّاءُ حَثّت على التعاون، في جميع مجالات البر والتكافل الإجتماعي، كما في الآية السابقة، وكما في الأحاديث السابقة واللاحقة.

يقول الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – عن شهر رمضان : “إنه شهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه مؤمناً كان مغفرة لذنوبه، وعتقاً لرقبته من النار”..

ويقول : “ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ” .. رواه ابن خزيمة في صحيحه.

ويقول _صلى الله عليه وآله وسلم : “من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً”. رواه الترمذي.

ولنا أسوة برسول الله _صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان أجود ما يكون في رمضان، في مواساته للفقراء والمساكين والمحتاجين ..

جاء في الصحيحين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة فيدارسه القرآن، فرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أجود بالخير من الريح المرسلة”.

فالجود إعطاء ماينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة.

فالنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كان يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر.

وفي الحديث القدسي : “أنفق يا ابن آدم أُنفق عليك” متفق عليه.

إن من أنواع الجود المالي، والذي يتأكد في مثل هذا الشهر الكريم، تفطير الصائمين.
قال صلى الله عليه وآله وسلم : “من أفطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص أجر الصائم شيئ” رواه أحمد.

إن هذه الأدبيات النبوية وغيرها، تؤكد أن شهر رمضان مدرسة للمسلمين، تنمي الإيمان في النفوس، وتعمق التقوى والورع في القلوب، وتوثق الصلات بين أبناء المجتمع.

فالصيامُ، مافرضه الله علينا وشرعه لنا في قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة : 183]، إلا من أجل الحصول على الوسيلة العظمى، وهي التقوى وإشاعتها، والإحساس بآلام الآخرين بين الأفراد والجماعات، ومن ثم تتجسد فيهم أعمال الخير التي يقوم بها بعضهم تجاه البعض الآخر..

فليكن هذا الشهرُ العظيمُ تجارةً رابحةً مع الله تعالى، يشعر فيه أغنياءُ المسلمين بإخوانهم الفقراء .. وما أكثر الفقراء في بلادنا .!

فإن العدوان الغاشم على بلادنا، منذ سبعة أعوام وإلى هذه اللحظة، قد أهلك الحرثَ والنسلَ، ودمر كل شيء، وأصبح الناسُ مشردين ونازحين إلى المحافظات الخالية من المرتزقة، وأكثرهم في صنعاء، والكثير منهم بلا مأوى، وبعضهم لا يجدون ما يأكلون وما يلبسون ..

فهؤلاء أحوج من غيرهم إلى المساعدة ومد يد العون، لاسيما في هذا الشهر الفضيل .
فكل جار عليه أن يتفقد جيرانه من النازحين الفقراء، ويقوم بالتحرك الجاد لمساعدتهم، عن طريق الجمعيات التي تدعم النازحين، ولو لم يكن إلا أن يُعلِم المنظمات أو الجمعيات بوجود حالات فقيرة في منطقته؛ لأن الكثير من الحالات لم تُمَدُّ لها يد العون ..
وإذا لم يحرصِ الناسُ على فعلِ الخيرِ وبذلِ الصدقاتِ في هذا الشهر، الذي تتضاعف فيه الأجور والحسنات، فمتى سيفعلون الخير؟!

إن الله يقول:{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ..}[النحل : 96].

إن حقيقةَ الدين، ليس في العبادات الصورية والشكلية، بل هو خلق وصفاء، وكرم ووفاء، ومساعدة الفقراء، والإنفاق على المساكين والأُسراء، ومداواة الجرحى والمرضى، ومواساة أُسر الشهداء، وغيرها من صفات الخير، التي نادى بها الفلاسفة والحكماء، وجاء بها الأنبياء العظماء.

إذاً، حقيقة الدين ولبّه وأساسه، هي المعاملة الحسنة بينك وبين الناس، والسعي في مساعدتهم وإسعادهم، وإدخال السرور على قلوبهم، والسعي في صِلةِ الأرحام، وإفشاء السلام، وعدم الإضرار بالأنام .. والقرآن مشحون بالآيات التي تحث على الإنفاق، ومساعدة الفقراء والمساكين، وقضاء الدين على المدينين، وتفريج كُرَبِ المكروبين، وكشف غم المغمومين، وتزويج الشباب العانسين، وإشباع بطون الجائعين.

قال تعالى:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَكُّ رَقَبَةٍ ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ..}[البلد : 17 – 11].

فالعقبة هي عملية إنقاذ الإنسان، وليس شرطاً أن يكون هذا الإنسان من العبيد أو الأسرى، بل إن البلدان المستضعفة كلها مستعبدة، ففي هذه الأيام يتجسد في الواقع العملي مفهوم ” فك الرقبة”، كأن نسهم في إنقاذ شخص فقير نازح من أوضاع مأساوية، أو تزويج شاب كي يتحرر من رق عبودية شهوته، أو قضاء الدين عن أي شخص قد أسَرَته كربته أو….

ولا بأسَ أن يُفكرَ الإنسانُ المسلمُ في إعطاءِ مقدارٍ من طعامه إلى الفقير، إن كان فائضاً عن حاجته، ولكن هذا النوع من الإطعام ليس هو ما يريده الله تعالى قط، بل إن ما يريده منا هو تقديمُ يَدِ العَونِ إلى الآخرين في أيام القحط والجوع، كمثل : هذه الظروف الصعبة التي نمر بها، فهناك الكثير من النازحين لا مأوى لهم ولا يجدون ما يأكلون ..

وبذلك سنقتحم العقبة، أي نتجاوز العقبة النفسية، ونصل إلى بَرِّ الأمانِ، وهو قوله تعالى: (أو إطعامٍ في يومٍ ذي مسغبة) .. ثم يبين الله- جلّت قدرته- الأشخاص الذين يجب أن نطعمهم :(يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة) مشيراً في هذه الآية إلى مايلي :

– الأرحام : فالأقربون أولى بالمعروف،{وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}[الأحزاب 6]. فاليتيم القريب الذي يحتاج إلى مساعدة ورعاية، عليك أن تقدم له العون أولاً، ثم تتجه إلى الأضعف فالأضعف.
– والمقصود بــ”المسكين ذي المتربة” الشخص الذي أسكنه الفقرُ في داره، لايسأل الناس إلحافاً، ولايستجدي لحافاً ..
ولو ساعدنا هذا الإنسان، فإننا سنكون قد اقتحمنا العقبة، أي تجاوزنا ذواتنا، وتحولنا من أناس يعيشون داخل إطار ذواتهم، إلى أناس يتعايشون البعد الإجتماعي في أوسع آفاقه..

فهذا هو الإسلامُ، وهذا السلوكُ هو حقيقةُ هذا الدين.
https://t.me/Adnan_Algonied