الثلاثاء - 30 يونيو 2026
منذ سنتين
الثلاثاء - 30 يونيو 2026

أمين السكافي (لبنان – صيدا)


المكان هو ساحات المسجد الأقصى، الذي يهدد كل يوم بالتعدي عليه أو تخريبه. الزمان يستحضر أحداثاً من 1400 عام ليشهد حالنا اليوم. الحضور يشمل رؤساء وملوك وأمراء 57 دولة إسلامية منضوية تحت منظمة العالم الإسلامي، وطبعا من ضمنهم الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي.

النقاشات حول فلسطين
الحدث كالعادة هو فلسطين عامة وغزة خاصة، والمجتمعون يتشاورون أو بالأحرى يتخاصمون. النقاش يدور بحدة ولكن لا يوصل إلى نتيجة، وهذه هي الحال منذ 80 عاماً من عمر فلسطين المسلوبة. تدور النقاشات بين المجتمعين حول عدة آراء. فمجموعة صغيرة تجاهد بما أوتيت من قدرات في فلسطين وخارجها، وتدعو الباقين إلى تبني خيار المقاومة كسبيل وحيد لتحرير الأراضي المحتلة.

فئة أخرى تدعو إلى السلام مع قاتل الأطفال والنساء، وتبرر سعيها للتطبيع بأنه يكفي حروباً، وعلى الفلسطيني أن يتقبل الواقع ويرضى بما قرروا أنه قدره ونصيبه في هذه الحياة.

الشعارات الفارغة
أما المجموعة الثالثة، فهي أصحاب الشعارات التي لا تغني ولا تسمن من جوع. هؤلاء بارعون في صياغة الكلمات الرنانة التي يضحكون بها على شعوبهم، وتقليد دونكيشوت في محاربته لطواحين الهواء. وهم على ذلك منذ عشرات السنين، وكأن الشعارات تطعم جائعاً أو تكسي عارياً أو تروي ظمأ عطشاناً أو توصل السلاح إلى السواعد السمراء التي تقاوم.

فجأة، يأتي رجل استحضرناه من الماضي البعيد، فيصمت الجمع وكأن على رؤوسهم الطير. الكل مترقب من هذا الرجل الذي يدخل ويتوجه بخطى ثابتة إلى المنبر، والجميع في انتظار ما سيقوله علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين للجمع الموجود.

كلمات علي بن أبي طالب
يبدأ علي بن أبي طالب خطبته قائلاً: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ. فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ وَسِيمَ الْخَسْفَ وَمُنِعَ النَّصَفَ.”
ويكمل قائلاً: “أَلَا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَسِرًّا وَإِعْلَانًا وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ. فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا.”

النداء للمقاومة
يتحدث علي بن أبي طالب عن خذلان الأمة، ويشير إلى أن بعضهم قد تواكل وتخاذل حتى شنت عليهم الغارات. يقول: “عَجَباً عَجَباً وَاللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ.”

يستمر في حديثه مشيراً إلى أن الأمة قد أصبحت غرضاً يُرمى، يُغار عليها ولا تُغار، ويُعصى الله وترضون. يذكرهم بأنهم يفرون من حرارة الصيف وبرد الشتاء، ويقول: “فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ.”

الخاتمة
ينهي خطبته ويخرج من القاعة بعد أن أسمعهم ما أسمع أهل الكوفة قبل 1400 سنة، ولكن لم تتحرك لأغلبهم شعرة، فهم على ما بيتوا النية مصرين. تالله ما أشبه الأمس باليوم. ملياري مسلم في مواجهة عشرين مليون يهودي، حقاً إنها من سخريات القدر. ولكن يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.

في النهاية، ليس النصر بكثرة العدد بل بنوعيته، وإلا لما قال الله تعالى: “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ.” والثقة بالله هي الأساس، طبعاً مع العمل بالأسباب.