الأربعاء - 17 يونيو 2026

شيء من وقائع المرحلة – ماذا تغير ؟ماذا تبقى ؟

منذ 4 سنوات
الأربعاء - 17 يونيو 2026


علي عنبر السعدي ||

من ذاكرة كتاب(*) – المالكي (نوري) والمالكي (جواد) بين القصد وبيت القصيد .
– لست عبداً لك ،ولا ابناً لأمتك .
حينما كنت أزور النجف طفلاً، لم أكن أعرف ما تعني عبارة “عبدك وأبن أمَتِك” لذا كنت أتهجأ أحرفها بخشوع ورهبة، لكن وبعد أن عركتني الأيام واقتربت أكثر من معرفة تلك الشخصية الإنسانية الفذة، قرأتُ تلك القطعة بنظرة أخرى، لذا ناديتُ من باب الحضرة وانا أرفع كفّي بالدعاء: يا أمير المؤمنين، إذا كنتَ أنت تخاطب ربكّ بالقول (ربيّ ما عبدتك خوفاً من عقابك، ولا طمعاً في ثوابك، إنما وجدتك اهلاً للعبادة فعبدتك)، وإقتداء بقولك، أقول: مازرتك لأني عبدك ولا إبناً لأمتك، بل أنا حرّ يسعى الى رمز الأحرار، فلا خير في محبة العبيد.
غضب أخوتي، وأستعاذوا بالله من قولي، فالعبودية لأهل البيت واجب شرعي كما يرون، لكني تمسكّت برأيي في إن محبة الأحرار للأحرار، هي الأكثر قوة وثباتاً.
بغداد (مقصدنا الأخير) كنا قد عدنا اليها في الواحدة ليلاً بعد أن تهنا في دروب قادتنا نحو هور رجب مروراً باللطيفية واليوسفية، وكان ستر الله، قد ألقى بأمنه علينا، أو أن منيتنا لم تحنّ بعد، فوصلنا سالمين..
في اليوم التالي إتصلت بالأستاذ (جواد المالكي) الذي ردّ على الهاتف بنفسه، كانت الحادية عشرة صباحاً، فحدد موعد اللقاء في الواحدة ظهراً، ساعتان فقط بين الإتصال والموعد.
وصلتُ الى المقر العام لحزب الدعوة في مطار المثنى، قبل مايقرب من نصف ساعة، دخلت الى صالة الإستقبال الداخلية التي تبعد عن الإستعلامات الخارجية مسافة تقارب المئة متر، وكان وقت الصلاة فدخلت مع الداخلين، وتركت الرجل (المالكي) يبحث عني في الإستعلامات الخارجية، وهم يؤكدون له دخولي المقر.
أكثر من ساعة ونصف قضيناها في حديث وديّ وعلى إنفراد، طرقنا فيه قضايا كثيرة، بعضها للنشر وبعضها تحفّظ على نشره، فرميت الورقة من يدي وقلت له: تحدث أبا إسراء ، خذ راحتك ـ فقال مبتسماً: الا تفعل كما فعلت مندوبة الحياة (سؤدد الصالحي) التي قولتني ما لم أقل؟
كان شديد الغضب من قضايا ثلاث وضعها خارج دائرة النشر: فجاجة التدخل الأمريكي في شأن الحكومة العراقية ـ كانت يومها حكومة الجعفري ـ وإعتبار الأكراد هم الحليف الوحيد لهم في العراق، وعن مقدار الدعم السوري للإرهاب القادم نحو العراق، يومها قال: تلك هي القضية الأخطر التي تواجه ديمقراطيتنا الوليدة، ثم استطرد: يرى بعض الأخوة ان نعالج الشّر بشّر من حجمه، سيارة مفخخة هنا بمثلها هناك، وعبوة بعبوة، لكننا نفضّل الإنتظار لعلّ السوريون يغيرون مسلكهم.
نقّحت المقالة وجهزتها للنشر في أحدى الصحف اللبنانية ـ من دون القضايا الثلاث المذكورة ـ لكن بعض الصحف ـ النهار والسفير ـ لم تكن متحمسة للنشر، لعدم أهمية شخص مثل جواد المالكي الذي كان مجرد عضو في الجمعية العمومية، ولم يكن أحد يتصور انه سيصبح رئيساً للوزراء، اذ لم يطرح هذا الاحتمال طوال المقابلة ولو تلميحاً.
لقد كانت تلك الصحف تبحث عن مقابلات مع شخصيات معروفة من مثل:ـ إبراهيم الجعفري ـ مقتدى الصدر ـ بيان جبر ـ عبد العزيز الحكيم ـ حارث الضاري …. الخ.
وأخيراً وافقت جريدة (صدى البلد) البيروتية على نشر المقابلة التي كانت مقدمتها كالآتي :
مقابلة مع السيد جواد المالكي عضو الجمعية العمومية العراقية
وعضو المكتب السياسي لحزب الدعوة في العراق.
كثيرة ومتشعبة هي المشاكل التي يواجهها الشعب العراقي وقواه السياسية، فما خلفّه نظام “صدام”، كان عبئاً ثقيلاً ينوء بحمله سبعة وعشرون مليوناً من العراقيين عاشوا حروباً ودماراً منظماً ومتواصلاً على إمتداد عقود كانت كفيلة بوضع العراق في مصاف الدول المتقدمة نظراً لما يمتلكه من ثروات وإمكانيات أهدرت إرضاء لطموحات ونوازع حاكم مستبد، ولم يتخلص العراق من الطاغية، الإ بعملية إستئصالية مؤلمة مازال العراقيون يدفعون أثمانها من أمنهم وأرواح أبنائهم، فكيف تنظر القوى السياسية في العراق الى الوضع الحالي؟ وماهو تقييمها لطبيعة المرحلة؟ وماذا تحمل للمستقبل ؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ماطرحناه على عضو الجمعية الوطنية العراقية، وعضو المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية في العراق الأستاذ جواد المالكي:
السعدي: بات معروفاً في رؤية أمريكا لنشر الديمقراطية، انها لا تحبذ وصول الإسلاميين الى السلطة، فكيف تجاوزتم هذه المسألة؟ وماهي طبيعة التعامل الأمريكي معكم بعد فوزكم بالحصة الكبرى في انتخابات كانون الثاني 2005، ووصولكم من ثم الى السلطة؟
المالكي: ربما كان ذلك صحيحاً في بعض نواحيه، لكن أمريكا وجدت نفسها في مواجهة الواقع الذي أفرزته الانتخابات، وبالتالي فهي ملزمة باحترام خيارات الشعب العراقي، وقد ذهبت تلك الخيارات على ان القوى الإسلامية هي صاحبة الرصيد الأكبر جماهيرياً، وقد ثبت ذلك عبر صنادق الإقتراع وبعملية إنتخابية أجريت بشفافية عالية ونجاح لافت على رغم التحديات الهائلة التي واجهتها، وعليه فالقوى الإسلامية لم تستول على السلطة بإنقلاب عسكري، وهي لاتسعى الى الهيمنة وإلغاء الآخر، بل تريد مشاركة الجميع في العملية السياسية، ان توجهات كهذه، لاتستطيع أمريكا مصادرتها أو عرقلة قيامها، لأن من شأن ذلك ان يضع أمريكا في مواقف حرجة ويهّز صدقية مقولاتها عن نشر الديمقراطية أو تشجيع قيامها.
السعدي: أفهم من هذا انكم مطمئنون للنوايا الأمريكية بهذا الخصوص؟
المالكي:المسألة لاتتعلق بالنوايا، وفي هذا المنطلق نحن نطمئن الى شعبنا الذي من حقّه ان يعبرّ عن نواياه ويحفظ مصالحه، ويخطىء من ينظر الى الأمور بغير هذا المنظار، كذلك فإن لأمريكا مصالحها وحساب المصالح هو الذي يحدد طبيعة العلاقة وحجمها وكيفيتها، ومادام شعبنا قد منحنا الثقة في تمثيله في هذه المرحلة، فلابد ان يكون ذلك هو القياس في كل ما نقوم به أو نتحرك على أساسه، وعليه، يمكن وصف علاقتنا بأمريكا أو علاقتها معنا، بأنها لقاء الضرورة.
السعدي: هل يعني ذلك ان تلك الضرورة قد تأخذ حيزاً زمنياً طويلاً ؟ ثم من يحدد تلك الضرورة؟ وماهي حيثياتها ومرتكزاتها؟
المالكي: كلّ يحدد ضروراته، أمريكا هي التي تحدد ضروراتها و أشكال تنفيذها بطبيعة الحال، لكن ذلك لايلزمنا بشيء حتمي، لأننا نحن المعنيون ببلدنا أولاً وأخيراً، وكل جهودنا تتمحور حول استكمال بناء مؤسساتنا الأمنية والعسكرية كي تصبح مؤهلة للدفاع عن العراق وسلامة مواطنيه، كذلك في إعادة هيكلة مؤسساتنا السياسية على أسس ديمقراطية يمكننا من خلالها إعادة الإعتبار الى الهوية الوطنية العراقية باعتبارها حقّاً مصاناً لجميع العراقيين تضمن مشاركتهم في حكم وطنهم دونما تمييز في الدين أو العرق أو الطائفة، لكن مازالت أمامنا صعوبات كبيرة وطرق شاقّة ينبغي قطعها لنتمكن من الوصول الى ذلك الهدف، لكننا متفائلون في نظرتنا الى المستقبل، ونعتقد ان العملية الإنتخابية القادمة، ستشكّل رافعة جذرية على هذا الصعيد، حيث المتوقع ان تستقطب مشاركة واسعة لكافة مكونات الطيف العراقي، أما عن الوجود العسكري الأمريكي، فهو وجود مؤقت لابد ستنتفي الحاجة اليه في وقت ليس ببعيد.
السعدي: هناك مفردة باتت متدوالة في عالم السياسة، تلك المتعلقة بما يعرف بالإسلام السياسي البديل، فهل تعتبرون أنفسكم ضمن هذا التوجه؟
المالكي: إذا كان يقصد من ذلك اننا نقدمّ الوجه الحضاري للإسلام، أي نؤمن بالحقوق السياسية والمدنية للمواطنين وبالتالي المساواة بينهم من دون تمييز لأحد على أحد، كذلك في اللجوء الى صناديق الإقتراع كإسلوب وحيد للوصل الى السلطة، مع سلوك كل ما من شأنه ان يرتقي بمجتمعاتنا ويلحقها بركب التقدم الحضاري للبشرية، فنحن لسنا الوحيدين في هذا المضمار، إذ ان جميع الحركات المتنورة في مختلف البلدان العربية والإسلامية، انما تسير في هذا الإتجاه، ذلك ما بات يرتقي الى مستوى التحدي الحضاري الكبير الذي تواجهه أمتنا بوجه من يحاولون تشويه الإسلام وإظهاره بصورة من يدعو الى الإرهاب والعنف أو يشجّع قيامه، وعلى هذا المستوى، فنحن جزء من الحركات الإسلامية التي تعبّر عن حقيقة وجوهر الإسلام بمعانيه السامية البعيدة عن التطرف والظلامية والإلغاء.
السعدي: لكن وكما هو معروف في تجارب الشعوب، فإن الديمقراطية بحاجة الى بنية ليبرالية على وجه خاصّ، كي تنمو وتزدهر، فهل بإمكان الإسلاميين ان يكونوا ليبراليين؟
المالكي: الليبرالية بما هي منظومة إقتصادية بدرجة أساس، تسير وفق مبدأ الحرية الفردية واقتصاد السوق وتحت مقولة: “إعمل ودع غيرك يعمل، أو دعه يعمل دعه يمرّ” وبهذا المعنى، فاستقرار النظام الديمقراطي في بلد ما، سيخلق ولاشك، آليات عمله التي في مقدمها بل وفي جوهرها، إطلاق الحريات الإقتصادية والمبادردات الفردية، وما دام الإقتصاد لن يكون موجهاً ومسيطراً عليه من قبل الدولة كما في الأنظمة الشمولية، فان الليبرالية لاتحسب بالضرورة على قوى سياسية بعينها فيما تحسب القوى الإسلامية بموقع المناهض لها، على حدّ ماتطرحه بعض المقولات التي تذهب بأن الإسلاميين حتى لو تبنوا الديمقراطية، الا انهم ليسوا ليبراليين، ان طرحاً كهذا، انما يخلط بين الليبرالية كمنهج إقتصادي، وبين الديمقراطية كنظام سياسي، وبالتالي محاولة وضع إحداهما في مواجهة الأخرى، فيما الحقيقية انهما متفاعلان أو من الضروري ان يتفاعلا.
هذا هو نصّ المقابلة مع (جواد المالكي) الذي رفضت بعض الصحف اللبنانية نشرها، ترى ماذا ستقول تلك الصحف لو كانت تعلم ان ذلك الشخص غير المهم آنذاك، سيصبح بعد زمن قصير، الشخصية الأشهر والأكثر إثارة للجدل في العراق والمنطقة ، بعد أن تسلمّ رئاسة الوزراء تحت إسم (نوري المالكي)، الذي تحول من مجرد قصد الى بيت القصيد؟

(*) من كتاب – العراق الجديد – قلق التاريخ وعقدة القوة – اصدار دار العارف /بيروت /كانون ثاني 2010 – ص 116


ــــــــــــــــــــــــ