الجمعة - 19 يونيو 2026

البيت العتيق.. رمز التوحيد وحصن الحرمة الإلهية ومهوى أفئدة المؤمنين…!

منذ يوم واحد
الجمعة - 19 يونيو 2026

القاضي حسين المهدي ||

 

 

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}.

يمثل البيت العتيق أعظم بقعة على وجه الأرض، وأشرف بيت عرفته البشرية، فهو أول بيت وُضع لعبادة الله وحده، وأول منارة أشرقت منها أنوار التوحيد، وجعله الله مباركًا وهدى للعالمين، ومثابة للناس وأمنًا، تتجه إليه وجوه المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وتهفو إليه أفئدتهم شوقًا ومحبة وتعظيمًا، تحقيقًا لدعوة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}.

ولم يكن شرف البيت العتيق ناشئًا من بنائه أو موضعه فحسب، وإنما من تشريف الله له وإضافته إليه، فسماه بيت الله الحرام، وجعله قبلة للمسلمين، وفرض حجَّه على المستطيعين، وجعل الطواف به، والصلاة عنده، والوقوف بمشاهده من أجلِّ العبادات وأعظم القربات.

وقد أحاط الله بيته الحرام بسياج من الهيبة والحرمة والتعظيم، فقال سبحانه: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ}، وقال عز وجل: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}. فتعظيم الكعبة المشرفة وتعظيم حرماتها وشعائرها من دلائل الإيمان وصدق التقوى، كما أن الاستخفاف بها، أو الانتقاص من شأنها، أو السخرية منها، أو الاعتداء عليها، صورة من صور الجرأة على الله تعالى والطعن فيما عظمه سبحانه. فهو بيت الله المعظم، والمسجد الحرام المكرم، والبيت العتيق الذي رفع الله شأنه فوق سائر البقاع.

بيتٌ إذا ذُكِرَتْ فضائلُ مجدِهِ … خَرِسَ البيانُ وكلُّ ذي تبيانِ
هو قبلةُ الإسلامِ، منه أشرقتْ … شمسُ الهدايةِ في مدى الأزمانِ
كم خرَّ عند جنابه متبتِّلٌ … يرجو النجاةَ ورحمةَ المنَّانِ
حرمٌ عظيمٌ، من يُرِدْ تدنيسَهُ … يلقَ الهلاكَ بسُنَّةِ الديَّانِ
بيتٌ تسامى بالمهيمنِ قدرُهُ … فسما على الآمادِ والأزمانِ

ولقد توعد الله من أراد بيته الحرام بسوء، ولو بمجرد الإرادة، فقال عز وجل: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، فجعل مجرد الميل إلى الظلم والإلحاد في الحرم موجبًا للوعيد، فكيف بمن يسعى إلى هتك حرمته، أو الاستهزاء به، أو التعدي على شعائره، أو انتقاص منزلته؟

وحينما يتطاول زعيم الصهيونية، ترامب، على بيت الله الحرام، فإن ذلك ليس دليلًا على حقارته ودناءة منزلته فحسب، وانما لإنه يسجل بذلك خاتمة مخزية له ولأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه، كما هي سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

ولقد سجل القرآن الكريم شاهدًا خالدًا على سنة الله في حماية بيته وحفظ حرماته، حين جاء أبرهة الحبشي بجيش جرار وفيل عظيم يريد هدم الكعبة وصرف الناس عنها، فأنزل الله به وبجيشه العقوبة الماحقة، وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول، كما نطق بذلك القرآن العظيم:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}.

لتبقى تلك الحادثة برهانًا خالدًا على أن للبيت العتيق ربًّا يحميه، وأن من يعتدي على حرماته فإن مصيره الخسران والهلاك. ونقول هذا ولسان الحال قائل:

حرمٌ إذا همَّ الجسورُ بظلمِهِ … أودى به جبَّارُ كلِّ مكانِ
ولقد تكفَّل ذو الجلال بحفظِهِ … من كيدِ كلِّ متمرِّدٍ فتَّانِ
من رام هتكَ حماه أو تدنيسَهُ … ألقاه في دركٍ من النيرانِ
للهِ جندٌ لا تُرى أعلامُهــا … تأتي لتهلك قادةَ الطغيانِ
ما الفيلُ إلا شاهدٌ متجدِّدٌ … يُتلى على الأسماعِ والآذانِ
إنَّ الحرمَ حِمى الإلهِ،ومن يَبِتْ … متعرِّضًا لحماه يبوء بالخسرانِ
سيظلُّ بيتُ اللهِ حصنًا شامخًا … بعنايةِ الملكِ العظيمِ الشأنِ

وما حادثة أصحاب الفيل إلا صورة من صور سنن الله الجارية في كل زمان، فالله سبحانه يمهل ولا يهمل، ومن تطاول على مقدساته، أو سخر من شعائره، أو حارب أولياءه، أو انتهك حرماته، فإنما يبارز رب العالمين، ولن يقوى أحد على مغالبة قدرة الله العزيز الجبار.

وإن لم تثب الصهيونية وقائدها ترامب عن جرائمهما، وعن التطاول على بيت الله الحرام والمسجد الحرام، فإن غضب الله آتٍ لا محالة، وإن الأمة الإسلامية لن ترضى بالعدوان على مقدساتها، وستظل متمسكة بحقها في الدفاع عنها وصون حرماتها.

فالبيت العتيق ليس مجرد بناء من الحجارة،وإنما هو رمز لوحدة الأمة الإسلامية، وعنوان لعبودية الخلق لربهم، ومهوى أفئدة المؤمنين، ومجمع القلوب على كلمة التوحيد، ولذلك كان تعظيمه من تعظيم الله، والاعتداء عليه اعتداء على أعظم شعائر الدين.

ومن هنا، فإن الواجب على المسلمين أن يجلوا هذا البيت المبارك، وأن يربوا أبناءهم على محبته وتعظيمه، وأن يحذروا من كل قول أو فعل ينال من مكانته أو ينتقص من حرماته، وأن يستشعروا أن الله الذي شرفه وحفظه عبر القرون، لا يزال قائمًا على أمره، ناصرًا لدينه، ومدافعًا عن بيته، مصداقًا لقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}.

وسيظل البيت العتيق، بإذن الله، شامخًا عزيزًا، محفوظًا بحفظ الله، ومهوى أفئدة الموحدين، وشاهدًا على أن من عظم شعائر الله نال رضوانه، وأن من تطاول عليها أو استهان بها أو سعى في انتهاكها، فإنما يتسبب في هلاكه وخسرانه.

وإن الصهيونية، ومن على وجه الأرض جميعًا، يعجزون عن الوصول إليه بسوء، فقد تكفل الله بحفظه ورعايته، ومع ذلك فإن الأمة الإسلامية مدعوة اليوم إلى الوقوف صفًّا واحدًا تجاه الصهيونية وزعيمها ترامب، اللذين لا يحترمان شعائر الله وحرماته، ويعتديان على الأمة الإسلامية، وينتهكان مقدساتها، وينتهجان سبيل أهل الإجرام.

فتعظيم البيت العتيق لا يقف عند حدود المشاعر والعواطف، وانما يقتضي اجتماع كلمة المسلمين، ووحدة صفهم، وتمسكهم بدينهم، وقيامهم بواجب الدفاع عن مقدساتهم، فإن الكعبة المشرفة ليست مجرد بناء من الحجارة، وإنما هي رمز لوحدة الأمة، وعنوان عزتها، ومهوى أفئدة المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها. وكما حفظ الله بيته من كيد أصحاب الفيل، فإنه سبحانه ماضٍ في سننه التي لا تتبدل، ناصرٌ لدينه، ومتمٌّ نوره ولو كره الكافرون.

وإن المؤمنين، وهم يعظمون هذا البيت المبارك، يدركون أن عزة الأمة لا تكون إلا بالاعتصام بحبل الله، والرجوع إلى كتابه، والاقتداء برسوله، والتناصر فيما بينهم، فإن اجتماعهم على قبلة واحدة ينبغي أن يكون منطلقًا لاجتماعهم على كلمة سواء، ودفع العدوان عن مقدساتهم، والوقوف في وجه كل معتدٍ أو مستكبر.

وما هي إلا أيام حتى يشهد العالم كله عاقبة بغيهم وظلمهم وإسرافهم، وأن سنة الله في الظالمين لا تحابي أحدًا، وأن عاقبة البغي والخسران ملازمة لكل من تجبر وطغى، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.