حوكمة الممرات الاستراتيجية: قراءة تحليلية في نموذجي (PTP) و(Oliver Wyman) لمستقبل طريق التنمية العراقي..!
المهندس يونس الكعبي ||
17 حزيران 2026

بالعودة إلى سلسلة المقالات والبحوث المعمقة حول مشروع طريق التنمية ، اصبح من الضروري الأنتقال من التصاميم الهندسية الأساسية إلى حيز التنفيذ الفعلي والتمويل أستدعت نقاشاََ حاسماََ خلف الكواليس الحكومية حول هيكل الحوكمة والأدارة.
مشروع بهذا الحجم ، يمتد عبر 11 محافظة عراقية ويرتبط ب 11 مدينة صناعية وميناء عملاق كميناء الفاو الكبير وستة مطارات ، لم يعد مجرد خط سكك حديد وطريق سريع ، بل تحول إلى ممر أقتصادي دولي متعدد الوسائط (Multimodal Corridor). ومن هنا برزت الحاجة إلى رسم هيكلية أدارية واضحة تفصل بين ملكية الدولة والتشغيل التجاري الجاذب للأستثمار الأجنبي .
في هذا السياق ، اصطدمت الرؤى بنموذجين رئيسيين قدمتهما الجهات الأستشارية للمشروع: (PTP الأيطالية المصمم والأستشاري للمشروع) ، وشركة (Oliver Wyman الأمريكية المستشار المالي والأستراتيجي الذي تم التعاقد معه لترتيب نموذج التمويل والأستثمار).
أولاََ: نموذج شركة PTP الأيطالية: الحوكمة المؤسسية المركزية (The Institutional /Sovereign Model)
بصفتها المصمم الهندسي الأساسي للمشروع ، ركزت الرؤية الأيطالية على البعد السيادي والتكامل العضوي مع مؤسسات الدولة القائمة. ينطلق هذا النموذج من مبدأ البنية التحتية كأصل سيادي مطلق.
ملامح النموذج الأيطالي:
تأسيس هيئة أو شركة عامة مملوكة بالكامل للدولة: ترتبط مباشرة بمجلس الوزراء أو وزارة النقل (تشابه هيكلية شركة الموانيء العراقية أو الشركة العامة للسكك الحديد).
تدار السكك الحديد عبر ذراع حكومي تخصصي ، والطريق السريع عبر ذراع آخر ، والمناطق الصناعية عبر وزارة الصناعة ، مما يعزز الرقابة البيروقراطية الحكومية.
التمويل الحكومي المباشر أو القروض السيادية ، يعتمد هذا النموذج في مرحلته الأولى على الموازنة الأستثمارية للدولة (وهو ما تم بالفعل عبر تخصيص موازنة خماسية للبنية التحتية الأرضية). مع الأعتماد على القروض الدولية المضمونة سيادياََ لتمويل الأجزاء الهندسية المعقدة.
عقود تشغيل وصيانة (O&M): تظل الدولة مالكاََ ومشغلاََ رئيسياََ ، وتتعاقد مع شركات عالمية بعقود خدمة محدودة لأدارة التشغيل والصيانة دون منح تلك الشركات حصصاََ في ملكية الأصول أو القرار الأستراتيجي.
ثانياََ: نموذج شركة Oliver Wyman الأمريكية(The Commercial/SPV Model):
دخلت شركة أوليفر وايمان لرسم الخارطة التمويلية والقانونية للمشروع ، وقدمت نموذجاََ مغايراََ تماماََ يتماشى مع معايير الأسواق المالية العالمية وال (Multilateral Development Bank) لجذب رؤوس الأموال من الشركاء الأقليميين (مثل قطر ، الأمارات ، تركيا) والمستثمرين الدوليين.
ملامح النموذج الأمريكي:
تأسيس شركة الغرض الخاص (Special Purpose Vehicle – SPV): هذا هو جوهر النموذج. يتم أنشاء شركة تجارية مستقلة قانونياََ ومالياََ لأدارة طريق التنمية ، تمتلك الحكومة العراقية الحصة الحاكمة فيها ، ويُفتح الباب للشركاء الدوليين والصناديق السيادية لأمتلاك حصص متبقية.
الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP – Public Private Partnership): يقوم النموذج على معادلة دقيقة (البنية التحتية للعراق/ البنية الفوقية للمستثمر). الدولة تمول البنية التحتية الأساسية (استملاك الأراضي ، خطوط السكك الحديد والمحطات ، الطرق البرية السريعة ، الأنفاق والجسور ) ، بينما يترك تشغيل الخطوط ، العربات ، المحطات ، والمدن الصناعية للأستثمار الأجنبي بنظام (BOT – البناء والتشغيل ونقل الملكية) أو الأمتيازات طويلة الأجل.
الحوكمة المستقلة (الأداء التجاري): مجلس أدارة ال (SPV) يضم ممثلين عن الحكومة والمستثمرين ، ويدار بعقلية القطاع الخاص بعيداََ عن الروتين الأداري للوزارات العراقية ، مع الألتزام بالمعايير البيئية والأجتماعية والحوكمة الدولية (ESG).
تكامل القطاعات (Corridor Approach): لا يتم التعامل مع السكك الحديد بمعزل عن المدن الصناعية ؛ بل تُحكم كمحفظة أستثمارية موحدة تغذي فيها أرباح المدن الصناعية والخدمات اللوجستية تكاليف صيانة شبكة النقل.
مقارنة تحليلية بين النموذج الأيطالي والأمريكي
* فلسفة الادارة المركزية ، الرؤية الإيطالية(مركزية ، سيادية ، قطاعية تجارية ) ، الرؤية الأمريكية(مرنة ، متكاملة “ممر أقتصادي”).
* هيكل الحوكمة: الرؤية الأيطالية (هيئة حكومية تابعة لوزارة النقل) ، الرؤية الأمريكية (شركة غرض خاص SPV بمجلس أدارة مستقل).
* مصدر التمويل الرئيسي: الرؤية الأيطالية (الموازنة العامة + القروض السيادية) ، الرؤية الأمريكية (الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP + أستثمار أجنبي).
* تحمل المخاطر: الرؤية الأيطالية (تقع المخاطر المالية والتشغيلية بالكامل على الدولة) ، الرؤية الأمريكية (توزيع المخاطر بين الدولة والمستثمر الأجنبي).
* سرعة أتخاذ القرار: الرؤية الأيطالية (تخضع للبيروقراطية وقوانين العقود الحكومية) ، الرؤية الأمريكية (تخضع لآليات السوق وقانون الشركات التجاري).
الأسلوب الأفضل والأنسب للحكومة العراقية (النموذج الهجين الحذر):
بالنظر إلى خصوصية البيئة الأدارية والتشريعية في العراق ، والألتزامات المالية الضخمة للمشروع (التي تقدر بنحو 17 مليار دولار) ، فأن الذهاب المطلق مع أي من النموذجين يحمل مخاطر عالية ، فالنموذج الأيطالي الصرف قد يخنق المشروع في دهاليز الروتين الأداري ، والترهل الوظيفي ، وتأخير الموازنات السنوية الناتجة عن تذبذب أسعار النفط وتذبذب المواقف السياسية.
النموذج الأمريكي الصِرف قد يصطدم بعقبات قانونية ودستورية عراقية تتعلق بملكية الأصول السيادية ، بالأضافة إلى الحساسية السياسية من منح جهات أجنبية نفوذاََ طويلاََ على ممر أستراتيجي يربط الفاو بفيشخابور.
الرؤية الأفضل: الحوكمة الذكية عبر شركة SPV سيادية مرنة:
الأسلوب الأمثل للحكومة العراقية (والذي بدأت ملامحه تتشكل في أجتماعات اللجنة العليا للمشروع مؤخراََ) هو تبني نموذج هجين يرتكز على أطروحة شركة “أوليفر وايمان” مع تطعيمها بضمانات سيادية حسب رؤية شركة PTP الأيطالية.
تأسيس شركة طريق التنمية القابضة (SPV) بحيث تكون مملوكة في مرحلتها الأولى بنسبة 100٪ للحكومة العراقية ( ممثلة بوزارة النقل والأمانة العامة لمجلس الوزراء) ، مما يحقق المطلب السيادي والرقابة القانونية للدولة.
يرافق ذلك تأسيس شركات تابعة تخصصية (Subsidiaries) تنبثق عن الشركة القابضة (مثلاََ شركة تشغيل القطارات ، شركة أدارة المدن الصناعية ، شركة أدارة الطريق البري السريع ، شركة الخدمات اللوجستية). في هذه الشركات التابعة يتم أدخال الشركاء الدوليين (المستثمرين والمشغلين العالميين) كحلفاء أستراتيجيين بحصص تشغيلية وأرباح محددة ، دون منحهم ملكية الأرض أو البنية التحتية الأساسية.
لتشريع قانون طريق التنمية ، يحتاج العراق وبشكل عاجل إلى غطاء تشريعي خاص (قانون يقره مجلس النواب العراقي) يستثني هذه الشركة القابضة من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية التقليدية رقم 1 لسنة 2014 ، ويمنحها مرونة القطاع الخاص في التعاقد ، التوظيف ، وجذب الكفاءات ، مع أخضاعها لرقابة ديوان الرقابة المالية الأتحادي في الحسابات الختامية فقط.
هذا الأسلوب الهجين يضمن للحكومة العراقية الحفاظ على السيادة والقرار الأستراتيجي العالي ، وفي الوقت ذاته يمنح المشروع المرونة التشغيلية والجاذبية المالية التي تطالب بها كبريات الشركات العالمية وصناديق الأستثمار الأقليمية لضمان ديمومة هذا الممر حتى عام 2050 وما بعده.




