الأربعاء - 28 اكتوبر 2026
منذ 4 ساعات
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

 رياض الفرطوسي ||

 

 

 

في رواية الفهد (للأمير الصقلي جوزيبي توماسي دي لامبيدوزا، التي نُشرت بعد موته سنة 1958) جملة يردّدها شاب ذكي في وجه عمّه الأرستقراطي، فحواها أن على كل شيء أن يتغيّر كي يبقى كل شيء كما هو. أمضى الأدب قرناً يشرح هذه الجملة، وها نحن نعيشها كل يوم من غير أن نقرأ الرواية.

حين تخرج الجموع إلى الساحات يظن كثيرون أن لحظة الولادة قد حانت. ونحن نعرف هذا الظن جيداً: ننتظر الجديد كما ينتظر القرويون المطر، ثم نكتشف أن السحابة التي مرّت فوق رؤوسنا كانت دخاناً.

الأمر أعقد مما نحب أن نقوله لأنفسنا. الأمم تمر عادةً بمراحل يتراجع فيها نظام قديم ولا يحل مكانه نظام جديد، فيبقى الناس معلّقين بين بابين. هذا مفهوم، وله أمثلة كثيرة في التاريخ. لكن ما نعيشه في العراق ليس هذا بالضبط. نحن لا نقف بين قديم يحتضر وجديد يتأخر. نحن نقف بين قديمٍ تعب، وجديدٍ وُلد وفيه من علامات التعب ما يفوق أباه. وليد جاء إلى الدنيا بتجاعيد، ولم يمر بطفولة.

وفرق كبير بين انتظارٍ يحمل أملاً وانتظارٍ يحمل إعادة. في الأول يتصارع الناس على مشروع: دولة قانون أم دولة غلبة، اقتصاد منتج أم ريع، مواطن أم رعية. وفي الثاني يتصارعون على الحصص: من يجلس على أي كرسي، ومن يضع يده على أي مورد، ومن يحرس أي بوابة. الأول يبني، والثاني يقتسم ما بُني، وحين ينتهي الاقتسام يلتفت إلى الجدران نفسها فينخرها.

وهذا يفسّر لماذا لا تنتج الصراعات من هذا النوع إلا الأزمات. السياسي الباحث عن الغنيمة لا يعنيه استقرار البيت، لأن الغنيمة لا تحتاج بيتاً مستقراً، تحتاج فقط أن تكون هناك أبواب مفتوحة وحراس جيدون. وأخطر ما فيها أنها تعلّم الناس درساً ثانوياً قاسياً: أن يقيسوا كل شيء بالمنفعة، وأن يشكّوا في كل مبدأ بوصفه ستاراً.

فرانتز فانون (طبيب نفسي وكاتب من مارتينيك شارك في ثورة الجزائر، وصاحب معذبو الأرض) حذّر قبل ستين عاماً من هذه الحالة تحديداً. كتب أن أخطر ما قد يواجه الاستقلال أن تحل طبقة محلية محل المستعمِر وهي ترث أدواته كلها: الامتيازات نفسها، والمسافة نفسها عن الناس، والعقلية نفسها. لا تتغير النار، يتغير الحطّابون فقط. وما يميّز كلامه أنه لم يقله عن عدو، بل عن أبناء البيت أنفسهم حين يُمنحون المفتاح.

وهنا نصل إلى مكمن الداء الأعمق. حين يسقط حاكم مطلق تنهار صورته، لكن العقل الذي صنعه لا ينهار تلقائياً. العقل الذي يرى الدولة ملكاً خاصاً، والوظيفة حصة، والبلد مزرعة، لا يختفي بسقوط شخص. يبقى حياً في الأحزاب، وفي الدوائر، وفي طريقة التفكير اليومية، وفي المخيّلة التي تعتقد أن الزعيم القوي حل وحيد. بعض الشعوب أنجزت قطيعة حقيقية مع ماضيها لأنها حاسبت فكرته لا صورته، وبعضها اكتفى بتغيير الصور. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين مصيرين.

وحين يغيب العقد المشترك تنشأ تشوهات يصعب أن تخطر على بال من لم يعشها. كان صموئيل هانتنغتون (عالم سياسة أمريكي، كتب النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة سنة 1968) قد وصف مجتمعات تتسع فيها المشاركة بسرعة أكبر من نمو المؤسسات التي تستوعبها، فيصبح كل طرف يضغط بما يملك: الجماعة بعصبيتها، والحشد بصوته، والمسلّح بسلاحه، والمال بنفوذه. سمّاها مجتمعات حارسة، أي مجتمعات تحل فيها القوة الخام محل الوسيط المؤسسي. وحيث لا وسيط، يتحول كل خلاف صغير إلى مواجهة صغيرة قابلة للتضخم.

وفي مثل هذه الأجواء يزدهر نوع محدد من الناس. أطلق عليهم إريك هوفر (عامل ميناء أمريكي صار فيلسوفاً دون شهادة، مؤلف «المؤمن الصادق» سنة 1951) اسم «الأتباع المحبطين»، وقصد أن الحركات الجماهيرية لا تجتذب أفضل الناس بل أكثرهم جوعاً إلى معنى. وهؤلاء سهل أن يقودهم من يتقن لغة الغضب. فالانتهازي لا يحتاج فكرة، يحتاج فقط أذناً حساسة لما يوجع الناس، وقدرة على تحويله إلى هتاف. يلتقط الوجع كما هو، ويضعه في قالب، ثم يبيعه لمن يدفع.

وهنا يتغيّر سقف الحلم نفسه. حين يتآكل الأمان يتنازل الإنسان تدريجياً عن أحلامه الكبيرة. لا يعود يطلب الحرية، يطلب أن ينجو. لا يعود يسأل عن العدالة، يسأل عن الراتب. ومن يخضع لهذا التراجع زمناً كافياً ينسى أنه تنازل أصلاً.

وكل هذا يجعل البلد أشبه بقطار بلا سائق في ليلة طويلة. بعض الركاب نائم، وبعضهم يمزح، وبعضهم يعرف ولا يملك فرملة. والسؤال لا يعود: هل سيصل القطار؟ بل: أين سينعطف، وبأي ثمن؟ في مثل هذه الأحوال لا تحتاج الكارثة إلى سبب ضخم. يكفي حادث صغير، قطع كهرباء في ذروة الصيف، شاب جامعي بلا عمل، كرامة تُجرح عند باب مؤسسة، لتبدأ حركة لا يعرف أحد أين تنتهي. ليست الشرارة هي السبب، هي فقط تكشف كم من اليباس كان ينتظرها.

ولو سألنا: وأين المثقف في هذه اللحظة؟ فالجواب مؤلم. كتب الفرنسي جوليان بندا (كاتب وفيلسوف، 1867-1956) كتاباً عنوانه خيانة المثقفين سنة 1927، يتهم فيه أهل الفكر بأنهم تخلّوا عن واجبهم في قول الحقيقة وانحازوا للجماعة التي تؤويهم. ولا يزال كلامه يصلح قياساً دقيقاً. فالمثقف الذي ينحني للممول، ويبرر لمن يُطعمه، ويبدّل لغته مع تبدّل الأسماء، ليس أخطر من الجاهل فحسب، بل أخطر لأنه يمنح الباطل لغة أنيقة. وما تحتاجه اللحظة مثقف آخر: ذلك الذي يخرج من الناس ويبقى بينهم، يقول لهم ما يزعجهم قبل ما يطرب آذانهم، ويدفع ثمن ذلك صامتاً.

وقد عبّر الشاعر العراقي معروف الرصافي (1875-1945) عن هذا الألم في زمنه حين راح يتأمل حال السياسة والمجتمع في العراق الناشئ، بنبرة من يرى ويحزن ولا يستطيع أن يكفّ عن الكلام. وبعد قرن تقريباً يبدو أن الأسئلة نفسها ما زالت تدور في الحلقة نفسها.

أما ما يحدث في الشوارع اليوم فينبغي أن يُقرأ بجدية معاً. هؤلاء الشباب ليسوا ظاهرة عابرة، ولا هم مادة لخطب يتبادلها الجميع بلا فعل. هم جيلٌ تعب من انتظار وعدٍ لم يتحقق، ويطلب شيئاً بسيطاً جداً: أن يتحول البلد من غنيمة إلى وطن. وأيّ قراءة لا تبدأ من هذه البساطة ستخطئ مهما بدت عميقة.

والمخرج، إن وُجد، يبدأ من قبول الحقيقة المرة. أن نسمّي القديم قديماً حتى لو ارتدى ثوب الإصلاح. أن نتفق على قواعد يخضع لها الجميع قبل أن يفوز أي أحد. أن تحل المؤسسة محل الشخص، والقانون محل المزاج، والكفاءة محل القرابة. وأن نتعلم أن التغيير الحقيقي لا يُقاس بمن جلس على الكرسي، بل بما تغيّر في طريقة التفكير التي جاءت به.

أما إن بقينا نبدّل الأسماء ونبقي الأنماط، فسنعيش دورة بعد دورة. يحتضر قديم، فيُصفَّق لجديد، ثم يتبيّن أن الوليد وُلد عجوزاً. وفي كل مرة نقول: هذه المرة ستكون مختلفة. وفي كل مرة تعلّمنا الرواية القديمة درسها الثقيل: لا شيء يتغيّر ما دمنا نحرص على أن يتغيّر كل شيء إلا نحن.