الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

{بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}.. من هم؟!

منذ 46 دقيقة
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

✍🏼 د. رعد هادي جبارة ||
الأمين العام للمجمع القرآني الدولي

 

 

 

🔗خصوصية المفردة القرآنية/91

📍مدخل:
في هذا البحث؛سنناقش آية و رواية تعلّق عليها،و تستحقّ التمحيص من جهتين مستقلتين:
⭕جهة السند وفق منهج علم الرجال والدراية،
⭕وجهة المتن ومدى انسجامه مع سياق الآية القرآنية و دلالتها.
🔆أولاً: نص الرواية ومصدرها
ورد في بحار الأنوار للعلامة محمد باقر المجلسي، في الرواية رقم 40 من الباب المتعلق بفضائل قم وأهلها، ما نصّه:
« وروى بعض أصحابنا، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالساً، إذ قرأ هذه الآية:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾،
فقلنا: جعلنا فداك، من هؤلاء؟
فقال ثلاث مرات: هم والله أهل قم».
_ بحار الأنوار، ج 60، ص 216،
وتُنسب الرواية في بعض المصادر إلى كتاب «تاريخ قم» للحسن بن محمد القمي، وهو ما يستحق التنبيه إليه؛ إذ إنّ المجلسي لم يذكر في النص المتداول إسناداً مفصّلاً، بل اكتفى بقوله: «روى بعض أصحابنا».
وهنا تبدأ المسألة الحديثية الأساسية.
🔆ثانياً: دراسة المتن في ضوء القرآن الكريم
وهذه هي الجهة الأهم في التحقيق.
قال الله تعالى في سورة الإسراء، الآيات 4–8:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ۝ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ۝ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ۝ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ۝ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
1.ما موضوع الآيات؟
السياق القرآني يتحدث عن [بني إسرائيل]، وما وقع منهم من إفساد وعلوّ مرتين، وما يترتب على ذلك من عقاب إلهي.
والضمائر في قوله تعالى:
👈🏽 ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾
و
👈🏽﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾
مرتبطة ببني إسرائيل الذين يتناولهم السياق.
أما هوية الجماعات التي وقعت على أيديها الأحداث التاريخية المشار إليها، وتحديد الوقائع المقصودة بكل وعد، فهي مسألة تفسيرية وتاريخية بحثها المفسرون بالتفصيل. ولم يتم القطع في مصداقها المعاصر. باعتبار أن [ اسرائيل] هو لقب يعقوب ولا علاقة للموضوع بدويلة إسرائيل الحالية،التي بلغ إفسادها ليس مرتين بل ارتكبت آلاف المرات من الإفسادات والجنايات وخاض المسلمون من فلسطينيين وغيرهم صراعا شديدا معها طيلة القرن الماضي والحالي وقدموا آلاف الشهداء ولم يك ثمة صراع عسكري مباشر بينها وبين أهل قم(لو عممنا الصفة على كل ما جاور قم من مدن ) سوى منذ سنة او اثنتين،فقصفت وانقصفت.
لكنّ النقطة المهمة هنا أنّ الآيات، بحسب ظاهر سياقها، تتحدث عن أحداث مرتبطة بتاريخ بني إسرائيل، وليس عن فلسطين التي سيطر عليها المحتلون في 1948 وسميت بـ(اسرائيل) ولا تذكر أهل قم أو إيران أو جماعة إسلامية مستقبلية.
🔆ثالثاً:دراسةالسند
🔹1.إبهام الراوي؛
العبارة الواردة هي
«وروى بعض أصحابنا».
وهذا يعني أنّ الراوي الذي نقل الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام لم يُذكر اسمه، ولم تُذكر طبقته أو صفاته الرجالية.
وبناءً على النص المتاح، لا نستطيع معرفة:
👈🏽مَن هو الراوي المباشر عن الإمام الصادق عليه السلام؟
👈🏽هل سمع الرواية منه مباشرة، أم نقلها بواسطة شخص آخر؟
👈🏽هل هو ثقة في النقل أم لم تثبت وثاقته؟
هل توجد وسائط ساقطة بينه وبين الإمام؟
وهذه مسائل أساسية في تقويم الحديث وفق المنهج الرجالي الإمامي.
🔹2.هل الرواية مسندة أم مرسلة؟
بحسب الصيغة المنقولة في بحار الأنوار، لا يوجد إسناد متصل يمكن فحص رجاله واحداً واحداً.
والأدقّ علمياً أن نقول: الرواية غير تامّة الإسناد في صورتها المنقولة، ولا يمكن الحكم بصحّتها سنداً اعتماداً على هذا النص وحده.
🔹3.هل وجودها في «بحار الأنوار» يصحّح سندها؟
لا طبعا.
ف “المجلسي” جمع في موسوعته روايات من مصادر متعددة، ولم يلتزم أن تكون جميع الأخبار التي أوردها صحيحة السند .

🔆النتيجة السندية: ♦️1.لا يصحّ وصف هذه الرواية ب”الصحيحة” سنداً استناداً إلى النص المتداول؛ لأنّ الراوي مبهم والإسناد التفصيلي غير متاح فيه. وهذا لا يساوي الجزم بأنّ الرواية موضوعة، بل يعني أنّ صدورها لم يثبت بهذا الطريق.
♦️2.هل يمكن أن تشير الآية إلى أهل قم أيضاً؟
من الناحية المنهجية، ينبغي التفريق بين ثلاثة أمور:
⭕أولاً_ التفسير الظاهر للآية:
وهو فهم الآية ضمن سياقها اللغوي و القرآني والتاريخي، الذي يتناول بني إسرائيل والفساد والعقاب.
⭕ثانياً: التأويل أو التطبيق على مصداق آخر.
قد تتضمن بعض الروايات تطبيق آية على جماعة أو واقعة أخرى، أو تشير إلى انطباق بعض أوصافها على أحداث لاحقة. لكن إثبات هذا التطبيق يحتاج إلى دليل معتبر، ولا يكفي فيه مجرّد التشابه بين الأحداث.
⭕ثالثاً: الادعاء بأنّ الآية نزلت أصلاً في جماعة بعينها.
وهذا ادعاء مختلف؛ فلا يمكن الجزم بأنّ أهل قم(سكانهاسابقا و لاحقا) هم المقصودون حصراً بالآية، أو أنّها نزلت فيهم، استناداً إلى هذه الرواية وحدها.
وعليه، فحتى لو افترضنا ثبوت صدور الرواية، فإنّ فهمها بوصفها تطبيقاً أو تأويلاً يحتاج إلى بحث مستقل.
♦️3.المنهج العلمي يقتضي ألّا نحمّل النص القرآني معنى تاريخياً أو سياسياً محدداً دون دليل كافٍ، وألّا نحوّل رواية غير ثابتة السند إلى حقيقة قرآنية قطعية.
⭕رابعاً: هل يمكن اتخاذ الرواية دليلاً على أحداث سياسية معاصرة؟ينبغي الحذر من ذلك.
قد يستشهد بعض الكتّاب بهذه الرواية لربط الآية بأحداث سياسية أو عسكرية معاصرة، أو لإثبات أنّ جماعة بعينها هي المقصودة بوعد إلهي.

🔆لكنّ هذا الاستنتاج يتوقف على إثبات أمور لا توفرها الرواية وحدها، منها:
🔹1.ثبوت صدور الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام.
🔹2.تحديد المقصود من الرواية: هل هو تفسير للآية أم تأويل أم تطبيق على واقعة لاحقة؟
🔹3.إثبات الصلة بين المصداق المذكور في الرواية والأحداث المعاصرة المراد تفسيرها.
🔹4.عدم تحويل الاحتمال التأويلي إلى حكم قطعي على أشخاص أو دول أو حركات سياسية.
ومن ثمّ، لا يصحّ علمياً الاستناد إلى هذا الخبر وحده للجزم بأنّ حدثاً سياسياً معاصراً هو تحقيق حتمي للآية.

🔆الخلاصة:
من حيث السند: الرواية غير تامّة الإسناد في النص المنقول؛ إذ وردت بصيغة «روى بعض أصحابنا»، من دون تسمية الراوي أو تقديم سلسلة إسناد يمكن فحصها. لذلك لا يمكن تصحيحها سنداً بناءً على هذه الصيغة وحدها.

🔆من حيث المتن:
ظاهر الآيات يتناول بني إسرائيل وأحداثاً مرتبطة بإفسادهم وعقابهم. أما ربطها بأهل قم، فيحتاج إلى إثبات معتبر للرواية و تحديد طبيعة دلالتها، و لا يكفي فيه مجرد نقل الخبر.

🔆من حيث العقيدة والتفسير: لا يصحّ الجزم بأنّ أهل قم(منذ الأبد وحتى الأزل) هم المراد الحصري من الآية، ولا نسبة هذا التفسير إلى الإمام الصادق ع نسبة قطعية، ما دام سند الرواية لم يثبت.

🔆 لا ينبغي وصف الرواية ب”الصحيحة” لمجرد ورودها في (بحار الأنوار).

ولذلك لا يمكننا اعتماد الرواية في منتدى المجمع القرآني .