قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿سورة آل عمران: 173﴾
تقدِّم الآيتان الكريمتان نموذجًا تاريخيًا للمؤمنين الذين لا يسمحون للترهيب والحرب النفسية بأن يتحكما في قرارهم، ويحوّلون التهديد، الذي يُراد به إضعاف إرادتهم، إلى دافع لتجديد ثقتهم بالله وتوكّلهم عليه.
لقد واجه المسلمون بعد معركة أُحُدٍ وضعًا صعبًا للغاية، فقد خسروا عددًا كبيرًا من خيرة أصحابهم، وجُرِحَ كثير منهم، وخرجوا من المعركة مثقلين بالألم. وكان من الطبيعي أن تترك تلك التجربة آثارًا نفسية عميقة فيهم، وأن يتطلعوا إلى استعادة قوتهم وتجاوز ما أصابهم من ضعف.
لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، والاختبار الذي خاضوه أثناء معركة أُحُد أعقبه اختبار آخر يوازيه في الشدة، فقد رأى أبو سفيان، بعد معركة أُحُد، أن الفرصة قد تكون مواتية لمهاجمة المسلمين مجددًا والقضاء على قوتهم. فحشد جيشه وبعث بمن يخبر المسلمين أنه يحشد للهجوم عليهم مجددًا، لما بلغ الخبرُ رسولَ الله (ص)، أمر المسلمين أن يتجهَّزوا لملاقاته على الرغم مما حلَّ بهم في أُحُد، وطلب أن يخرج الجرحى حصرًا. فلما بلغ أبا سفيان أن الجرحى من المسلمين قد تجهزوا لملاقاته، أدرك أنه يواجه قومًا عازمين على المواجهة، لا تثنيهم خسائرهم عن المضي فيها، فقرر العودة إلى مكة، فنزلت الآيتان الكريمتان لتخلِّدا هذا الموقف الشجاع من المسلمين.
الآيتان، وإن نزلتا بسبب ذلك الموقف، تكشفان عن صفات عظيمة من صفات المؤمنين الحقيقيين، تكشفان عن شجاعتهم، وثباتهم، ويقينهم بالله، بحيث لا يؤثر فيهم ترهيب ولا ترغيب، ولا حرب نفسية.
واللافت في الأمر ثباتهم أمام الحرب النفسية، وقد تكون الحرب النفسية شديدة التأثير، إذ تستهدف إرادة الإنسان، فردًا كان أو جماعة، وتسعى إلى إضعاف قدرته على الصمود واتخاذ القرار. بل إن الغاية من القتل والتدمير وارتكاب المجازر التأثير على إرادة الناس، لأن ضعف الإرادة يسهّل على العدو تحقيق أهدافه بكلفة أقل. حيث يبادر من ضعفت إرادته إلى التسليم والخضوع له.
وكما حاول أبو سفيان أن يبعث برسالة إلى المسلمين المثخنين بالجراح، مفادها: لقد خسرتم في المواجهة السابقة، وها هو عدوكم يستعد لمواجهة جديدة، فالأفضل لكم أن تتراجعوا قبل أن تتكرر الخسارة. كذلك يحاول أعداؤنا اليوم بالحرب النفسية التي يشنونها علينا أن يقولوا لنا: لا فائدة من المواجهة، لقد دفعتم أثمانًا باهظة، وخسرتم أعزاء عليكم، ودُمِّرت قراكم، وهُزِمتم، فالأفضل لكم أن تستسلموا.
لكن الآية الكريمة تكشف لنا أن الذين صدقوا في إيمانهم لم يسمحوا للهزيمة بأن تتحول إلى استسلام، بل واجهوا التهديد بمنطق مختلف تمامًا. لقد زادهم التهديد إيمانًا، وهنا تكمن المفاجأة: فالعدو يريد أن يضعف إرادتهم، لكن تهديده يدفعهم إلى مزيد من الثبات؛ لأنهم لا ينظرون إلى الواقع من زاوية القوة المادية وحدها، بل يستمدون ثقتهم أيضًا من إيمانهم بالله وثقتهم بوعده وإيمانهم بعدالة قضيتهم التي يقاتلون من أجلها، ومن المتسالَم عليه عند الباحثين العسكريين أن يقين الجماعة بقضيتها، ومعنوياتها العالية، يمنحانها ميزة على العدو وإن كانت قليلة العدد والعُدّة.
إن تهديد العدو يزيد في إيمان المؤمنين ويعمِّقه، وهم وإن كانوا يضعون قوة العدو وقدراته في حساباتهم، لكنهم يتذكرون دائمًا أن الله تعالى أقوى من كل قوة، وأنه لا يخرج شيء عن علمه وسلطانه، وأن رضا الله أسمى من الحرص على السلامة الشخصية حين تتعارض مع الواجب، وأن مواجهة مكائد العدو تتطلب الثبات والاستعداد لتحمّل التكاليف اللازمة، مع الثقة بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، وأن الله يعوضهم في الدنيا وفي الآخرة، فالأمر كله لله، وهم يخشونه وحده ولا يخشون أحدًا سواه، ويقولون: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. أي إن الله كافينا، ونحن نتوكل عليه في مواجهة ما يدبّره أعداؤنا، فيبطل كيدهم، ويرجعه إلى نحرهم، ويوقعهم في شرور مكرهم.
لا يعني ذلك أنهم لا يشعرون بالخوف الطبيعي، أو لا يحسبون حساب الخطر، أو أنهم يندفعون إلى مواجهة الأعداء من غير تقدير للعواقب، فالخوف شعور إنساني طبيعي، وتقدير المخاطر جزء من المسؤولية والعقل. وإنما المقصود أن الخوف لا يتحول إلى قوة قاهرة يصبحون معها عاجزين عن القيام بتكليفهم، أو التخلي عن حقوقهم لمجرد أن العدو يلوّح بالتهديد.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 17/10/2026 الساعة (05:39)




