الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

وقفة تفسيرية مع آياتٍ من سورة “ق”..!

منذ أسبوعين
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

الشيخ حسن عطوان ||

 

 

 

🖋 سألني بعض الأحبة عن تفسير بعض المفردات في هذه الآيات الكريمات من سورة ( ق ) ، ولكنّي رأيت أنَّ الصورة لن تتضح إذا لم أقف عند تفسير – ولو موجز – لهذا المقطع من السورة المباركة ، وذلك في ثلاث حلقات .

( الحلقة الأولى )

يقول عزَّ من قائل :

( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *
وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَ قالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّـهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ * قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ *

وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ ) [ ق : 16 – 35 ] .

🖋 التفسير :

1. سأقسم الآيات الكريمات إلى ثلاثة مقاطع ، الأول منها – وهو من الآية ( 16 ) إلى الآية ( 18 ) – يتحدث عن إحاطة علم الله تعالى بالإنسان ، ومراقبة كلّ شيء من أعماله وأقواله وتسجيلها .

🖋 يقول جلَّ وعلا : ( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) :

كلمة ( تُوَسْوِسُ ) مشتقّة من الوسوسة ، وهي في اللغة : الصوت الخفي ، ويُراد بها هنا حديث النفس من أفكار وخواطر ، سواء أكانت خواطر خير أم خواطر شر .

ومن البديهي أنَّ الله سبحانه عالم بجميع معتقدات الإنسان وأقواله وأفعاله ونيّاته ، ولا يخفى عليه شيء من ذلك ، وإنْ كانت المؤاخذة الأخروية على خصوص ما يثبت كونه موردًا للمسؤولية والتكليف .

وقوله عزَّ وجل : ( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ‌ ) يمكن أنْ يكون إشارةً إلى أنَّ خالقه عالمٌ بدقائق خلقه وخفايا نفسه ، فلا يُعقل أنْ يخفى عليه شيء من شؤونه .

2. ويضيف المولى سبحانه لمزيدٍ من الإيضاح في ذيل الآية قائلًا : ( وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) .

🖋 كم هو بليغٌ هذا التعبير ، فحبل الوريد هو العِرق المعروف المتصل بمنطقة العنق ، وقد ضُرب به المثل في شدة القرب من الإنسان ، للدلالة على إحاطة علم الله تعالى به ، وأنَّه لا يخفى عليه شيء من خفاياه ، فهو – تعالى اسمه – أقرب إلی الإنسان من حبل الوريد .

ورغم كون المثال المذكور أبلغ تصوير محسوس علی شدّة القرب ، لكنّه مجرد تشبيه تقريبي ، وإلّا فإنَّ الله سبحانه أقرب من ذلك ، بالطبع ليس قربًا مكانيًا .

🖋 والمهم مع هذه الإحاطة للّه تعالی ، وكوننا في قبضة قدرته ، كم سيكون الموقف محرجًا وصعبًا ومخجّلًا ، فلا شي‌ء يخفی عليه لا الأفعال ولا الأقوال ولا الأفكار والنيّات ، ولا تخفی عليه حتّی الوساوس التي تخطر في القلوب .

🖋 فلا بد لنا من أنْ نلتفت إلی هذه الحقيقة لنكون علی بيّنة من أمرنا ، ولنستحضر أنَّ أعمالنا وأقوالنا محفوظةٌ في صحائف لا تغادرها صغيرةٌ ولا كبيرة .

🖋 في رواية عن محمد بن مسلم قال : دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له : رأيت ابنك موسى ( عليه السلام ) يصلي والناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم وفيه ما فيه .

فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ادعوا لي موسى فدعي فقال له : يا بني أنَّ أبا حنيفة يذكر أنّك كنت تصلي والناس يمرون بين يديك فلم تنههم .

فقال : نعم يا أبة إنَّ الذي كنت أصلي له كان أقرب إليّ منهم يقول الله عز وجل : ( وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) .

3. ويضيف القرآن في الآية التالية قائلًا : ( إِذْ يَتَلَقَّی الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ) :

أي أنّه بالإضافة إلی إحاطة علم اللّه التامّة علی ظاهر الإنسان و باطنه ، فهنالك ملكان مأموران بحفظ ما يصدر منه عن يمينه وشماله ، وهما معه دائمًا ؛ لتتمّ الحجّة عليه .

🖋 كلمة ( يَتَلَقَّی ) معناها : الأخذ والتسلّم ، و ( الْمُتَلَقِّيانِ ) هما ملكان مأموران بتسجيل أعمال الناس .
 وكلمة ( قَعِيدٌ ) مأخوذة من القعود ، أي الجلوس .

والمراد بالقعيد هنا الرقيب والملازم للإنسان ، وليس في الآية ما يقتضي حمل القعود على الجلوس الحسيّ وحده ، بل يُفهم منه أيضاً دوام الملازمة والمراقبة ؛ لأنّ الإنسان يكون في حال السير تارة ، وفي حال الجلوس أخرى ، فالتعبير هنا هو كناية عن ملازمتهما الدائمة له ، وهما يسجلان له وعليه ما يصدر منه من فعل وقول ، بل ونيّة .

🖋 وجاءت لفظة ( قعيد ) مفردةً ، مع أنَّ كلمة المتلقّيان تثنية ؛ لأنّ في الآية حذفًا وتقديرها إذ يتلقّی المتلقّيان عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ، وقد دلَّ السياق على المحذوف .

🖋 روي عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلَّم ) : أنَّ كاتبَ الحسنات على يمين الرجل ، وكاتبُ السيئات على يساره ، وصاحبُ اليمين أميرٌ على صاحب الشمال ، فإذا عمل حسنةً كتبها ملَكُ اليمين عشرًا ، وإذا عمل سيئةً قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دَعْهُ سبع ساعاتٍ لعلَّه يسبِّح أو يستغفر .

🖋 وعنه ( صلى الله عليه وآله ) ، أنّه قال :

إنَّ الله تعالى وكَّل بعبده ملكين يكتبان عليه ، فإذا مات قالا : يا ربِّ ، قد قبضت عبدك فلاناً ، فإلى أين ، [ أي فما تكليفنا ] ؟؟

قال : سمائي مملوءة بملائكتي يعبدونني ، وأرضي مملوءة من خلقي يطيعونني ، اذهبا إلى قبر عبدي فسبِّحاني وكبِّراني وهلِّلاني ، واكتبا ذلك في حسنات عبدي .

🖋 وفي رواية ثالثة عنه ( صلّی اللّه عليه وآله وسلّم ) أيضًا أنّه قال :

( ما من أحد من المسلمين يبتلی ببلاء في جسده إلّا أمر اللّه تعالی الحفظة فقال : اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح ما دام مشدودًا في وثاقي .

🖋 وعنه ( صلّی اللّه عليه وآله وسلّم ) أيضًا ، أنّه قال : مَن مرِضَ أو سافر كتب اللّه تعالی له ما كان يعمل صحيحًا مقيما .

4. ثم يقول سبحانه : ( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) :

🖋 والضمير في قوله تعالى : ( لَدَيْهِ ) يحتمل عوده إلى الإنسان المتلفّظ بالقول ، وهو الأقرب إلى سياق الآية .

🖋 وكان الكلام في الآية السابقة عن كتابة جميع أعمال الإنسان ، وفي هذه الآية اهتمام بخصوص ألفاظه ، وهذا الأمر هو لأهمية القول القصوی ، وأثره في حياة الناس ، حتّی إنَّ جملةً واحدةً ، أو عبارة قصيرة قد تؤدّي إلی تغيير مسيرة إنسانٍ أو مجتمع بكامله نحو الخير أو الشرّ .

🖋 بعض الناس يعتقدون بأنّ الكلام ليس جزءًا من أعمالهم ، ويرون أنفسهم أحرارًا فيما يقولون ، ولن يحاسبوا على مجرد كلامٍ ، مع أنَّ أكثر الأمور تأثيرًا وأخطرها في حياة الناس هو الكلام !

🖋 والظاهر أنَّ كلمتي ( رقيب ) و ( عتيد ) وصفان للملكيَن الموكَّليَن بمراقبة الإنسان وتسجيل أقواله ؛ فالرقيب هو المراقب ، والعتيد هو الحاضر المهيّأ ، لذلك يطلق علی الفرس المعدّة للركض بأنّها فرس عتيد ، كما يطلق علی من يعدّ شيئًا أو يدّخره بأنّه عتيد ، وهي من مادّة العتاد ومعناها الادّخار .

و يعتقد كثير من المفسّرين أنَّ ( رقيب ) و ( عتيد ) اسمان للملكين المذكورين في الآية المتقدّمة ، فاسم ملك اليمين ( رقيب ) ، واسم ملك الشمال ( عتيد ) ، ولا دليل من الآية على أنَّهما اسمان عَلَمان لملكيَن مختلفيَن .

والله العالم بأسرار كتابه ..

[ له تتمّة ]

جمعة طيبة مباركة .

[ حسن عطوان ]

رابط قناة المقالات على التليگرام .

https://t.me/+dfbSHH50x3c1MjE6

رابط قناة المقالات على الواتساب :

https://whatsapp.com/channel/0029VbCupU17IUYPoIfkvL3D