قال تعالى: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿سورة آل عمران: 69﴾..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿سورة آل عمران: 69﴾.
إنها الحرب المتواصلة على وعي المؤمنين وإدراكهم، التي تشنها طائفة أو طوائف من أهل الكتاب. وهي مكوِّن من مكونات الحرب الشاملة التي يشنوها على المؤمنين، فتارة تكون الحرب بالسلاح والقتل والتدمير، وأخرى تكون بالحصار الاقتصادي والمالي، لكن أخطر الحروب تلك التي تستهدف العقول والقناعات، لأن من يستطيع أن يغير القناعات لا يعود بحاجة إلى أن يجبر المستهدفين على شيء آخر، إذ يصبحون هم الذين يتحركون وفق ما زُرع في عقولهم.
هذا ما يريده أولئك، ويمكن أن تتعدد دوافعهم لذلك، فقد تكون دوافع عقدية إذ يرون أنهم على الحق وأن المؤمنين على الباطل، وقد تكون تنافسية، أو مرتبطة بالمصالح، أو نابعة من الخوف من تأثير المؤمنين، أو من الرغبة في الحفاظ على النفوذ الفكري أو الاجتماعي.
وقد يكون من أخطر ما في هذا النوع من الحروب أنهم لا يطلبون من المؤمنين أن يتركوا الإسلام دفعة واحدة، وفي لحظة واحدة، فهذا أمر يصعب تمريره على الإنسان الواعي بل يبدؤون بإثارة شبهة صغيرة، أو تشكيك بسيط، أو اجتزاء نص من سياقه، أو تضخيم أمر من الأمور، مما ينتج عنه شك لدى المؤمنين، ثم يتحوَّل الشك عندهم إلى قناعة بأن المشكلة في الدين نفسه.
تلفت الآية إلى أن الإضلال فعل مقصود، وله وسائله. ومن أبرز هذه الوسائل التشكيك بالحقائق والمسلمات، والجدل لأجل الجدل وحسب واستخدام جزء من الحقيقة للوصول إلى نتيجة باطلة، أو جمع نصوص مجتزأة لإنتاج صورة مشوهة عن الإسلام. ومنها الانتقاء بحيث يُظهرون جانبًا واحدًا من الدين ويغفلون الجوانب الأخرى، استغلال الجهل بالدين لدى المؤمنين، لأن الإنسان الذي لا يعرف دينه معرفة واعية يصبح أكثر عرضة لأن يفرض عليه الآخر تفسيرًا لدينه، فيصدّقه لأنه لا يملك أدوات التحقق. ومنها التشكيك في المرجعيات الدينية من مراجع وعلماء ومفكرين وباحثين، بحيث يفقد الإنسان الثقة بكل من يمكن أن يرشده، ثم يصبح مضطرًا إلى قبول أي خطاب بديل. ومنها زرع الانقسام داخل الجماعة المؤمنة، لأن الجماعة التي تفقد وحدتها وثقتها بنفسها تصبح أكثر ضعفًا أمام التأثير الخارجي.
وفي زماننا يمكن أن تتخذ هذه الوسائل أشكالًا أكثر تعقيدًا: من محتوى رقمي مبتور، أو معلومات مضلِّلة، أو مقاطع فيديو قصيرة تنقل الشبهة دون جوابها، أو حسابات إلكترونية مستفزة، أو لبس الحق بالباطل.
لكن الآية الكريمة تقطع بعاقبة أمرهم فتقول: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. فقد يبدو للوهلة الأولى أن من يضل غيره سيكون آمنًا من الضلال، لأنه ربما ينجح فعلًا في التأثير في الآخرين.
لكن الآية تنظر إلى الأمر من زاوية أعمق. فحين يجعل الإنسان غايته إضلال الآخرين، فقد دخل هو نفسه في مسار من الانحراف الأخلاقي والفكري.
لأنه يحتاج إلى الكذب والتلبيس والافتراء والتعصُّب وتشويه الحقيقة وسوء القصد. وكل ذلك يجلب الضلال للمُضِلِّ، لأن الذي يكرِّر الباطل على مسامع الآخرين يبدأ مع الزمن بتصديقه. والذي لا يرى إلا أخطاء خصمه يفقد القدرة على رؤية الحق فيه.
وهذا هو معنى تأكيد الله القاطع بأنهم يُضِلّون أنفسهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. لا يشعرون لأن الإضلال لا يقتصر أثره على المستهدف به، بل يرتد على صاحبه، لأنه مع مرور الوقت يعتاد على التبرير، والتعصب، والبُهتان. وهنا تصبح الخسارة مضاعفة. فإن أضَلَّ غيره، حمل وزر إضلاله، وإن لم يُضِلَّ أحدًا، بقي هو أسير المسار الذي اختاره.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 24/9/2026 الساعة (05:20)




