الجمعة - 25 سبتمبر 2026
منذ 54 دقيقة
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

لم يعد الحديث عن «بلقنة العراق» مجرد مصطلح سياسي عابر، بعدما أطلق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تحذيراً مباشراً من أن إستمرار وجود قوى مسلحة مستقلة عن الدولة قد يقود إلى ما وصفه بـ«بلقنة» العراق، وجاء ذلك بعد لقائه رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في نيويورك، وفي وقت تخوض فيه بغداد واحدة من أكثر مراحلها حساسية في ملف حصر السلاح بيد الدولة.

ماذا تعني «البلقنة» هنا؟هل المقصود تقسيم العراق طائفياً وإثنياً؟ أم أن الخطر الحقيقي هو تفكك الدولة إلى مراكز نفوذ متنافسة، لكل منها قرارها السياسي والأمني والإقتصادي؟

العراق اليوم لا يبدو أمام تقسيم جغرافي وشيك، لكن إستمرار تعدد مراكز القوة والسلاح يمكن أن يفتح الباب أمام صراعات داخلية، خصوصاً إذا تحول الخِلاف حول السلاح من حوار سياسي إلى مواجهة بين الفصائل نفسها، أو بينها وبين الدولة، وهنا تكمن صعوبة مهمة الزيدي.

الحكومة لا تواجه ملف السلاح وحده؛ بل تتحرك بالتوازي في ملفات مكافحة الفساد، وإستعادة هيبة المؤسسات الرسمية، وترسيخ القرار السيادي، وإعادة تنظيم العلاقة مع القوى السياسية والمسلحة، وهذه الملفات، إذا تقدمت، قد تصطدم بمصالح سياسية وإقتصادية تراكمت لسنوات.

وقد يكون الأخطر أن تتحول بعض القوى التي كانت قريبة من الحكومة إلى خصوم لها إذا شعرت أن مكافحة الفساد أو إعادة بناء مؤسسات الدولة ستطال مصالحها أو نفوذها.

لذلك فإن معركة الزيدي ليست مع الفصائل فقط، وإنما مع منظومة مصالح متشابكة، وفي المقابل فإن الذهاب إلى صِدام عسكري داخلي قد يكون أخطر من بقاء المشكلة نفسها؛ ولهذا أعلنت الحكومة سابقاً أنها لا تريد صِداماً عسكرياً مع الفصائل، وأنها تراهن على الحوار لحصر السلاح بيد الدولة.

المطلوب إذن هو معادلة دقيقة: لا دولة بلا سلاح تحت سيطرتها، ولا إستقرار بلا حوار، ولا سيادة حقيقية مع تعدد مراكز القرار، أما «بلقنة العراق»، فليست قدراً محتوماً، لكنها أيضاً ليست خطراً يمكن تجاهله، والسؤال الحقيقي ليس: هل 《سيتبلقن العراق؟》 بل: هل يستطيع العراق أن يعيد توحيد قراره قبل أن تتحول الخلافات السياسية والأمنية إلى صراع على الدولة نفسها؟

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع