أعواد يابسة..!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي
كاتب وباحث سياسي متخصص في شؤون الهجرة والتخطيط الاستراتيجي

للأسف الشديد، ما زالت بعض المنابر أشبه بأعواد يابسة متآكلة، أكلها الزمن فلم تعد قادرة على الانحناء أمام رياح الواقع، ولا على استشعار ما يجري حولها. تقف في مكانها، صلبة في شكلها، لكنها فقدت القدرة على النمو ومواكبة أسئلة الإنسان والمجتمع.
المشكلة ليست في الفقه، ولا في التفاصيل الشرعية، فلكل مسألة مكانها وأهميتها. المشكلة تبدأ عندما تتحول الجزئيات إلى عالم كامل، بينما تغيب روح الدين ومقاصده الكبرى.
ما قيمة أن يعرف الإنسان أدق تفاصيل الطهارة، إذا كان قلبه لا يشعر بألم إنسان آخر؟ وما قيمة حفظ مئات المسائل الفقهية إذا كان لا يرى المظلوم، ولا يشعر بالجائع، ولا تعنيه معاناة الفقير والنازح والمهاجر والمهمش؟
الإسلام ليس معلومات تحفظ فقط.
الإسلام ارتقاء، ورحمة، وشعور بالآخر، ومسؤولية أخلاقية.
المسلم الحقيقي لا يعرف فقط كيف يؤدي عبادته، بل يعرف أيضا كيف يكون إنسانا حين يرى إنسانا آخر يتألم.
ومن المؤلم أن يتحول بعض الخطاب الديني إلى حالة من الخدر الاجتماعي؛ خدر يجعل صاحبه يعيش في مساحة من الترف والراحة، بعيدا عن تفاصيل الألم الذي يعيشه الناس، فيبتعد شيئا فشيئا عن أسئلة المجتمع وتحولاته، وتبقى معارفه تدور في الدائرة نفسها، حتى تفقد المعلومة حيويتها، ويتحول العلم من وسيلة لفهم الواقع وتجديد الوعي إلى محفوظات جامدة عاجزة عن إنتاج معرفة جديدة أو قراءة مختلفة للواقع.
وهنا تكمن المشكلة: المعلومة التي لا تتجدد تتحول مع الزمن إلى عبء، والعلم الذي لا ينفتح على المعرفة يصبح جدارا يحجب صاحبه عن الواقع.
فالمنبر الذي لا يخرج من محفوظاته إلى فضاء المعرفة في علم الاجتماع والنفس والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا وتحولات الأسرة والشباب، سيجد نفسه عاجزا عن مخاطبة إنسان اليوم.
وتروى في هذا السياق حكاية الرجل الذي جاء إلى الحسن البصري بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام ليسأل عن دم البعوضة في الثوب، وهل تصح الصلاة فيه أم لا. السؤال في ذاته فقهي، لكن المفارقة تكمن في أن أمة تواجه مأساة كبرى، بينما ينحصر الاهتمام في قطرة دم بعوضة.
هذه الصورة، سواء أخذناها كرواية تاريخية متداولة أو رمزا بليغا، تختصر مشكلة عميقة: أن يفقد الإنسان القدرة على رؤية المشهد الكبير بسبب استغراقه في التفاصيل الصغيرة.
وليس المطلوب أن نترك الفقه من أجل الواقع، أو العبادات من أجل قضايا المجتمع، وإنما المطلوب أن نضع كل شيء في موضعه الصحيح.
أن يكون المسلم عابدا وواعيا، فقيها وإنسانا، يعرف حق الله ولا ينسى حق الإنسان.
أن يرى النص والواقع معا، والعبادة والأخلاق معا، والدين في علاقته بالإنسان لا في انفصاله عنه.
نحن بحاجة إلى علماء يقرأون خارج كتبهم، ويقرأون الإنسان والمجتمع والتاريخ وتحولات العالم. نحتاج إلى من يخرج من غرفة المعلومة المغلقة إلى فضاء المعرفة المفتوح.
فالمنبر ليس متحفا للمعلومات القديمة، والعمامة ليست جدارا يعزل صاحبها عن المجتمع، والعلم ليس أن تعرف أكثر من الآخرين فقط، بل أن تصبح أكثر قدرة على فهمهم ورحمة بهم وخدمة مصالحهم.
القضية اليوم ليست أن ننتزع من المنبر دوره الديني، بل أن نعيد إليه روحه: أن يكون مكانا لإيقاظ الضمير لا لتنويمه، وتوسيع العقل لا لإغلاقه، وتربية الإنسان على الرحمة والمسؤولية والكرامة.
فالأمم لا تواجه الخطر دائما بنقص المعلومات، وإنما قد تواجهه حين تنشغل بالجزئيات عن المصائر، وحين يتحول الدين في وعي بعض أبنائه من قوة أخلاقية تدفع إلى الإصلاح والعمل، إلى إجابات محفوظة منفصلة عن الحياة.
وأخطر ما يصيب المنبر ليس أن يخطئ في مسألة، وإنما أن يفقد صلته بالإنسان والزمان والمكان.
فحينها يصبح المنبر عودا يابسا.
والدين حي ما دام قادرا على إحياء الإنسان، والعلم حي ما دام يفتح نوافذ جديدة للمعرفة، والمنبر حي ما دام يشعر بآلام الناس ويقرأ زمانه ويرفع الإنسان من ضيق الجزئية إلى رحابة الرسالة.
أما الأعواد اليابسة، فمهما بقيت واقفة، فإن أول ريح قوية ستكشف أنها لم تعد قادرة على الحياة.




