الجمعة - 25 سبتمبر 2026

خلف أسوار اللفظ: أزمة ترجمة المصطلح القرآني وأثرها في تغييب روح الإسلام في الغرب والمجتمعات غير الإسلامية..!

الجمعة - 25 سبتمبر 2026

د. عادل شريف الحسيني ||
23/9/2026

 

 

إن العربية لسانٌ، وليست مجرد انتماء قومي؛ وفهم النص القرآني من خلال هذا اللسان بدقة يمثل لي اليوم قضية وجودية. قد لا يدرك هذه الأهمية من يعيش في قلب المجتمعات العربية والإسلامية حيث تسعفه الفطرة اللغوية، لكنها تكتسب أبعاداً خطيرة وحساسة جداً داخل المجتمعات الغربية وغير الإسلامية، حيث تصبح الترجمة هي النافذة الوحيدة التي يرى من خلالها الآخرون الدين الإسلامي.

تكمن الإشكالية الكبرى التي واجهتها في أن معظم التراجم تنقل الألفاظ بشكل حرفي يجردها من سياقها السياسي والتاريخي. خذ على سبيل المثال كلمة (الولي)؛ حين تقرأ الآية الكريمة في قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» وهي الآية رقم 51 من سورة المائدة. تجد أن السواد الأعظم من الترجمات الإنجليزية ينقلها بمعنى “الأصدقاء” (Friends) وحلفاء وانصار. إن انعكاس هذا النقل الحرفي على المستوى الاجتماعي في الغرب هائل وسلبي؛ إذ يصور الإسلام دينًا ينبذ التعايش ويحظر الصداقة الإنسانية، بينما المعنى الأصيل لـ”الولاية” في السياق العربي والقرآني يصب في دائرة “التبعية الدينية، ومصدر التشريعات” كما في قول الله تعالى في سورة المائدة (الآية 55): ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. ولا يمس قيم البر والقسط والصداقة المشتركة التي دعا إليها القرآن نفسه.

لقد عشتُ هذه التجربة بنفسي وأدركتُ عمق فجوتها؛ حين أهديتُ صديقاً إيطالياً نسخة من القرآن الكريم مرفقة بترجمة إنجليزية دون أن يتسع لي الوقت لتفحصها. كان صديقي يأخذ المصحف معه إلى الكنيسة كل يوم أحد مدفوعاً بايمانه وشغفه. وفي أحد الأيام، سأله القس مستنكراً: “لماذا تجلب القرآن إلى الكنيسة؟”، فأجابه صديقي بكل نبل: “إنه كتاب مقدس يدعو للسلام والرحمة للإنسانية جميعاً، وهذا ما أخبرني به صديقي عادل الذي أهداني إياه”. فتح القس الترجمة المرفقة وأشار مباشرة إلى آية (أولياء)، مبيناً له أن النص يمنعه من اتخاذ المسيحيين أصدقاء.

فُجع صديقي واتصل بي فور خروجه من الكنيسة بنبرة عاتبة ومستغربة وسألني: “عادل، هل أنت صديقي حقاً؟”، وحين أجبته بالبقاء على العهد، قال: “ولكن كتابك المقدس يمنعك من صداقتي!”. كانت صدمتي لا توصف حين أرسل لي النص المترجم. اتصلت به على الفور لأوضح له الفارق الشاسع بين “الموالاة الدينية” وبين “الصداقة الإنسانية”، مؤكداً له أن الترجمة الحرفية والغير دقيقة هي التي شوّهت المعنى.

هذه الحادثة كانت نقطة تحول في حياتي؛ إذ دفعتني لتوجيه اهتمامي لدراسة التراجم الإنجليزية للقرآن ومقارنتها باللسان العربي. وكانت المفاجأة والصدمة أكبر؛ إذ اكتشفت أخطاء جوهرية في تراجم شهيرة عجزت عن ملامسة روح النص. ومن المفارقات التاريخية، أن من أدق التراجم اللغوية التي واجهتها كانت ترجمة العراقي اليهودي (نيسيم داود) الصادرة عام 1956، ورغم مقاربتها القوية للنص العربي، إلا أنها واجهت اعتراضاً شديداً من مؤسسات كبرى كالأزهر الشريف، ليس فقط لخلفية المترجم الدينية، بل لأنه انتهج منهجاً يمس بهيكل المصحف التوقيفي عبر إعادة ترتيب السور بحسب النزول التاريخي.

ولكن، لكي نكون منصفين من الناحية العلمية والأكاديمية، فإن الجهود الإسلامية الحديثة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الأزمة اللغوية. فخلال العقود الأخيرة، ظهرت مشاريع تراجم رائدة حاولت بكل قوة تفكيك هذه العقد الحرفية وتصحيحها. على سبيل المثال، نجد ترجمة المفكر النمساوي المسلم “محمد أسد” (The Message of the Qur’an) التي اعتمدت على فهم عميق جداً لأبعاد اللسان العربي العتيق واشتقاقاته، وترجمة “صحيح إنترناشيونال” (Saheeh International) التي تتوخى الحذر الشديد في نقل الألفاظ العقائدية. ومؤخراً، حققت ترجمة الدكتور مصطفى خطاب (The Clear Quran – القرآن الواضح) قفزة نوعية؛ حيث نجح في صياغة النص الإنجليزي بأسلوب معاصر يتفادى الصدمات اللغوية، واضعاً سياقات الآيات وأسباب نزولها كإضاءات هامشية تحمي القارئ الغربي من الفهم المغلوط.

إن أزمة الترجمة لا تقف عند البعد الاجتماعي والسياسي، بل تمتد إلى الجانب العلمي والكوني؛ فالكثير من الحقائق العلمية جرى تشويهها؛ لأن معظم المترجمين لم يكونوا من أصحاب “اللسان العربي الأم” (بالمعنى الذي يكتسب فيه الإنسان لغته وسياقاتها الثقافية الأولى من أمه). ولعل أبرز مثال على ذلك، هو ترجمة لفظة (نور) في قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ} إلى كلمة (Light/ الضوء الفيزيائي)، مغفلين اللفتة الفيزيائية والقرآنية الفارقة التي ميزت بين “الضياء” من مصدر ذاتي مشتعل ومتوهج كالشمس والنجوم وبين “النور” كأبعاد تنزيهية غير مادية وجمالية عاكسة كما في القمر وتمثل الحقيقة اليقينية.

إن ما نحتاجه اليوم ليس دفاعاً عاطفياً عن اللغة العربية، بل ثورة في فهمها وتدبر سياقاتها ونقلها إلى الآخر. إن تشويه اللسان العربي عبر التراجم السطحية هو ما يسيء إلى روح الإسلام الإنسانية، وإنقاذ هذا اللسان وإعادة صياغة الخطاب الموجه للعالم هو السبيل الوحيد لإعادة إظهار جوهر الدين كما نزل: رحمةً للعالمين.