فارس سعيد.. ما كتبه اليوم ينقذ لبنان..!
ناجي علي أمهز ||
أنا مغرمٌ بالفكر السياسي للدكتور فارس سعيد، وهو يعرف ذلك. ولا أدري إن كان هذا الولع قد ترسّخ لكثرة ما حدثني عنه المرحوم سمير فرنجية، أم أنه شيءٌ من الحنين إلى عائلة عشنا معها دوراً سياسياً في جبيل جيلاً بعد جيل.
كان سمير فرنجية يحدثني مراراً عن فكر فارس سعيد وشجاعته، وعن وطنيته “الجردية”، أي تلك الوطنية غير المغلّفة بالكلمات المنمّقة على حساب الوطن والشعب، والتي تقول ما يجب أن يُقال، حتى عندما يكون قوله مكلفاً.
ولسمير فرنجية، في هذا الكلام، حقٌّ علينا أن نتوقف عند شهادته؛ فقد كان واحداً من رجالات السياسة اللبنانية الذين امتلكوا شجاعة النظر إلى ما وراء اللحظة، وامتازوا بقدرة نادرة على قراءة التوازنات بعيداً عن الانفعال والمزايدات. وخسر لبنان برحيله عقلاً سياسياً كان يمكن أن يقدّم الكثير، في زمنٍ نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى أمثاله.
واليوم، غرد الدكتور فارس سعيد قائلاً:
(حصر التفاوض مع إسرائيل بالسلطة مصلحة الجميع
١- يحمّل حزب الله السلطة مسؤولية التفاوض، يربح معها وتخسر لوحدها.
٢- تغسل قوى أخرى يديها من اتهام حزب الله لها أنها تخدم مصلحة إسرائيل.
٣- تحظى السلطة بدعم عربي وغربي وازن.
٤- يعرف الناس أن النتائج بالنقاط وليس بالضربة القاضية… فيمهلون).
نعم، بعد خمسة أشهر، هذه هي الحقيقة المجردة من كل زيف؛ إنها قراءةٌ في العمق السياسي لما سيحصل غداً وبعد غد.
عبارة (حصر التفاوض مع إسرائيل بالسلطة مصلحة الجميع)، أعادتني مباشرةً إلى ما كتبته في ١٨ نيسان ٢٠٢٦ في مقال “حلُّ الأزمة الشيعية في عشر دقائق”، حيث طرحت فكرةً تقوم في جوهرها على أن حماية الموقف السياسي لا تكون دائماً برفع الصوت، بل أحياناً بإعطاء الدولة مسؤولية الملفات الكبرى.
وهنا يلتقي الفكر بصورة مطابقة. انه الواقع:
أولاً، التفاوض:
الدولة، برئيس الجمهورية والحكومة، تتولى التفاوض. فإذا نجحت، يكون الإنجاز للبنان، وإذا فشلت، تتحمل الدولة مسؤولية النتائج. وفي الحالتين، يُعفى الداخل اللبناني من معركةٍ إضافية.
ثانياً، السلام:
لا حاجة إلى تحويل هذا الملف إلى حرب إعلامية. موقفٌ واضحٌ يكفي: الدولة هي المعنية، والجميع يعرف المواقف المبدئية من إسرائيل. فإذا تحقق إنجاز، يستفيد منه الجميع، وإذا لم يتحقق، لا يكون أحدٌ قد قدّم تنازلاً.
ثالثاً، السلاح:
ينبغي نقل النقاش من لغة التحدي والمزايدات إلى لغة سياسية ودبلوماسية تربط مستقبل السلاح بمسؤولية الدولة والقرار الوطني، بدلاً من تحويله إلى معركةٍ يومية بين اللبنانيين.
رابعاً، الداخل اللبناني:
الاختلاف مع بكركي أو غيرها من المرجعيات لا يحتاج إلى خطاب طائفي أو استفزازي؛ يُرد عليه بالدستور والمنطق الوطني، لأن المطلوب حماية الشراكة اللبنانية لا تسجيل انتصار طائفةٍ على أخرى.
خامساً، الدبلوماسية:
العلاقات بين الدول تُدار بالمصالح لا بالانفعال. إيران تدير مصالحها، وأميركا تدير مصالحها، وإسرائيل تدير مصالحها، ولبنان أيضاً يجب أن يدير مصلحته كدولة، لا أن يحوّل كل موقفٍ دبلوماسي إلى أزمةٍ داخلية.
وهنا، تصبح تغريدة فارس سعيد أكثر من مجرد موقف سياسي؛ يمكن تحويلها إلى آلية عمل: الدولة تفاوض، والدولة تتحمل المسؤولية، والآخرون لا ينازعونها على ملفاتها، ولا يحوّلون كل استحقاق إلى معركة، بل يعملون على ربح النقاط التي تحمي لبنان وتمنع الخسارة الكبرى.
وهذا، في جوهره، هو ما كنت أقصده عندما كتبت أن المشكلة ليست دائماً في حجم القوة التي نملكها، بل في طريقة استخدامها. فالهدوء ليس ضعفاً، والدبلوماسية ليست تنازلاً، وترك الدولة تتقدم ليس تراجعاً.
وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق لعبارة الدكتور سعيد: السياسة ليست دائماً ضربة قاضية؛ أحياناً يكون ربح النقاط هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة.
لذلك، أتمنى أن يستكمل الدكتور فارس سعيد هذه الفكرة، وأن تتحول من تغريدة إلى نقاش سياسي، ومن نقاش إلى آلية عملٍ يمكن أن يلتقي حولها الجميع.
فلبنان اليوم لا يحتاج إلى من ينتصر على الآخر، بل إلى من يعرف كيف يحفظ الوطن. أن تتقدم الدولة إلى الواجهة، وأن يتراجع الضجيج إلى الخلف، وأن تصبح مصلحة لبنان هي النقطة التي يلتقي عندها الجميع.
فالسياسة، في النهاية، هي فن الممكن، أي جعل غير الممكن ممكناً.





