الأحد - 20 سبتمبر 2026

العراق والأحداث الجارية في المنطقة: بين تداعيات الصراع الإقليمي وتحديات المرحلة الجديدة..!

الأحد - 20 سبتمبر 2026

 الشيخ أكبر علي الشحماني ||

 

 

‏مقدمة

‏يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية بصورة غير مسبوقة. وفي قلب هذه التحولات يقف العراق بوصفه دولة محورية جغرافياً وسياسياً، تتأثر مباشرة بما يجري حولها، ولا سيما في ظل تصاعد الصراع الأمريكي–الإيراني، والتوتر في الخليج ومضيق هرمز، وتطورات الساحة اليمنية والسعودية.

‏وقد امتدت تداعيات الصراع الإقليمي إلى الاقتصاد العراقي وطرق تصدير النفط، بينما تواجه بغداد في الوقت نفسه استحقاقات أمنية وسياسية مرتبطة بإعادة تعريف علاقتها بالقوى الدولية والإقليمية وبمستقبل الوجود العسكري الأمريكي.

‏أولاً: العراق في قلب الجغرافيا الإقليمية

‏لا يستطيع العراق أن ينظر إلى الأحداث المحيطة به باعتبارها أزمات خارجية بعيدة؛ فهو يشترك بحدود مع إيران والسعودية والكويت وسوريا والأردن وتركيا، كما يرتبط اقتصادياً وأمنياً وسياسياً بمحيطه العربي والإقليمي.

‏ولهذا فإن أي تصعيد في الخليج أو إيران أو سوريا أو اليمن يمكن أن ينعكس على العراق بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء من خلال أسعار الطاقة، أو حركة التجارة، أو أمن الحدود، أو حركة الملاحة، أو الاستقرار السياسي الداخلي.

‏ثانياً: تداعيات الصراع الأمريكي–الإيراني

‏أدى تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران خلال عام 2026 إلى توسيع دائرة التوتر في المنطقة. وتذكر خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي أن المواجهة بدأت بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، ثم اتسعت لتشمل ساحات متعددة، بينها العراق واليمن ولبنان والخليج، مع اضطرابات مرتبطة بمضيق هرمز.

‏ويجد العراق نفسه أمام معادلة صعبة: فهو يريد الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يمتلك علاقات تاريخية واقتصادية وأمنية عميقة مع إيران. لذلك تصبح السياسة العراقية مطالبة بتجنب تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة مباشرة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.

‏ثالثاً: الانسحاب الأمريكي ومستقبل الأمن العراقي

‏يمثل اقتراب انتهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق تحولاً مهماً في البيئة الأمنية. وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تعمل على استكمال سحب قواتها المتبقية بحلول 30 سبتمبر 2026.

‏ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً حول قدرة المؤسسات الأمنية العراقية على إدارة المرحلة المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بالدفاع الجوي، وحماية الحدود، ومواجهة الخلايا الإرهابية، ومنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية.

‏وفي المقابل، فإن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي لا يعني انتهاء التأثير الأمريكي في العراق، إذ تبقى العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية والسياسية قائمة، ولكن ضمن إطار مختلف.

‏رابعاً: السلاح والدولة

‏من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية قضية السلاح خارج المؤسسات الرسمية. فالحكومة العراقية تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية بشأن حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة.

‏وتشير تقارير حديثة إلى أن بعض الفصائل المسلحة العراقية لا توافق على تسليم سلاحها، في حين تسعى الحكومة إلى وضع جميع القوى المسلحة ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية.

‏وتزداد أهمية هذا الملف مع استمرار التوتر الإقليمي، لأن أي نشاط عسكري ينطلق من الأراضي العراقية قد يضع بغداد أمام ضغوط دبلوماسية وأمنية، حتى إذا لم تكن الحكومة العراقية طرفاً مباشراً فيه.

‏خامساً: الاقتصاد والنفط

‏يمثل النفط نقطة حساسة في علاقة العراق بالتطورات الإقليمية. فاضطرابات الملاحة في مضيق هرمز أثرت على طرق تصدير النفط العراقي، الأمر الذي دفع بغداد إلى البحث عن بدائل.

‏وفي سبتمبر 2026 بدأت السلطات العراقية تجربة نقل النفط الخام من الحقول الجنوبية براً إلى منشآت في كركوك بهدف دعم مسار التصدير عبر ميناء جيهان التركي. وتأتي هذه الخطوة ضمن مساعي العراق لتنويع طرق التصدير وتقليل مخاطر الاعتماد على طريق واحد.

‏وهنا تظهر أهمية بناء استراتيجية اقتصادية عراقية لا تعتمد على الظروف الإقليمية وحدها، بل تمتلك خيارات متعددة في التصدير والطاقة والتجارة.

‏سادساً: العراق والخليج

‏أصبحت علاقة العراق بدول الخليج أكثر أهمية في ظل التطورات الحالية. فالعراق يحتاج إلى المحافظة على علاقاته العربية، وفي الوقت نفسه إلى تجنب الانخراط في أي محور صدامي.

‏وقد أجرت بغداد اتصالات مع دول خليجية عقب التطورات الأخيرة، ومنها اتصال وزير الخارجية العراقي بنظيره السعودي بعد الهجوم على خط أنابيب النفط السعودي، في إطار بحث التطورات الإقليمية.

‏وهذا يعكس حاجة العراق إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على الحوار ومنع التصعيد وحماية المصالح العراقية.

‏سابعاً: اليمن والبحر الأحمر وانعكاساتهما على العراق

‏لا يمكن فصل الوضع العراقي عن التطورات في اليمن والبحر الأحمر والخليج. فاستمرار المواجهات في اليمن يؤثر في حركة التجارة والطاقة والملاحة، كما يزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراع.

‏ومع ارتباط الاقتصاد العراقي بأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، فإن استمرار الأزمات في الممرات البحرية الاستراتيجية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب الأسواق.

‏ثامناً: التحدي الأكبر أمام العراق

‏التحدي الأساسي أمام العراق ليس فقط كيفية التعامل مع أزمة واحدة، وإنما كيفية إدارة مجموعة من الأزمات المتزامنة:

· ‏حماية السيادة العراقية.
· ‏منع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الخارجية.
· ‏تطوير قدرات الدفاع والأمن الوطني.
· ‏حماية طرق تصدير النفط.
· ‏المحافظة على العلاقات مع الولايات المتحدة.
· ‏الحفاظ على العلاقات الاقتصادية والسياسية مع إيران.
· ‏تعزيز العلاقات العربية والخليجية.
· ‏حماية الاقتصاد من الصدمات الإقليمية.
· ‏دعم القرار السياسي العراقي المستقل.

‏خاتمة

‏يقف العراق أمام مرحلة إقليمية جديدة تتطلب قراءة دقيقة للتغيرات المحيطة به. فالصراع الأمريكي–الإيراني، والتوتر في الخليج، وأزمة مضيق هرمز، والتطورات في اليمن والسعودية، إلى جانب التحولات المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مستقبل العراق.

‏وفي هذه البيئة، تبرز أهمية بناء سياسة عراقية تضع المصلحة الوطنية والسيادة والاستقرار الاقتصادي والأمني في مقدمة الأولويات، مع تجنب تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

‏إن المرحلة المقبلة لا تتطلب من العراق الانعزال عن محيطه، بل تتطلب امتلاك سياسة خارجية نشطة ومتوازنة، واقتصاداً أكثر تنوعاً، ومؤسسات أمنية قوية، وقدرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية دون أن يفقد العراق قراره الوطني.