الأحد - 20 سبتمبر 2026

كيف تنهار العملية السياسية إذا حوسب الفاسدون؟!

الأحد - 20 سبتمبر 2026

عامر جاسم العيداني ||

 

 

 

إذا صح ما نسب إلى رئيس الوزراء الأسبق الدكتور حيدر العبادي من أن التطبيق الشامل لإجراءات مكافحة الفساد ومحاسبة الجميع سيؤدي إلى انهيار العملية السياسية في العراق، فإن هذا التصريح يطرح سؤالا جوهريا لا يمكن تجاهله: كيف تصبح محاسبة الفاسدين خطرا على العملية السياسية بينما يفترض أن تكون سيادة القانون أساسا لبقائها واستقرارها؟

والأهم من ذلك كيف يمكن تفسير هذا الموقف في ضوء ما قاله العبادي نفسه عندما كان رئيسا للوزراء حين أكد في عام 2014: (الفساد لا يقل خطورة عن الإرهاب) متعهدا بمكافحته حتى لو كلفه الأمر حياته؟ وقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية هذا التصريح خلال زيارته إلى كربلاء.

إن استحضار هذه المقولة لا يعني إصدار حكم مسبق على التصريح المنسوب إليه حاليا لكنه يفتح بابا مشروعا للتساؤل عن كيفية التوفيق بين خطورة الفساد التي أكدها سابقا وأي موقف يفهم منه أن المحاسبة الشاملة قد تهدد النظام السياسي.
فمن الذي ينبغي أن يخشى تطبيق القانون؟ المواطن الذي ينتظر حقوقه أم المسؤول الذي استغل منصبه وأساء استخدام السلطة؟ وهل العملية السياسية مشروع لخدمة الشعب أم منظومة لحماية المصالح الحزبية والنفوذ السياسي؟

لقد أكد العبادي أيضا في منتدى العراق للطاقة عام 2017 أن الفساد لا يقل خطورة عن الإرهاب، مشيرا إلى أن مليارات الدولارات ضاعت بسبب فقدان التخطيط وأن مواجهة الإرهاب لم تمنع الحكومة من الاتجاه إلى الإصلاح الاقتصادي والمؤسساتي.

ومن هنا فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون شعارا يرفع في الأزمات ثم يتراجع عند الاقتراب من أصحاب النفوذ فالعراق لم يعاني من نقص الوعود بقدر ما عانى من ضعف التنفيذ وانتقائية المحاسبة وتعقيد الإجراءات التي تجعل بعض الملفات تدور في حلقات طويلة دون نتائج واضحة للرأي العام.

إن المال العام ليس ملكا للأحزاب ولا غنيمة تتقاسمها القوى السياسية بل إنه حق الشعب وكل دينار يهدر أو يسرق ينعكس على الخدمات والصحة والتعليم وفرص العمل وعندما تضيع الأموال في المشاريع المتلكئة أو العقود المشبوهة فإن المتضرر الأول هو المواطن الذي يدفع ثمن الفساد من حياته ومستقبله.

إن أخطر ما يهدد العملية السياسية ليس فتح ملفات الفساد بل إغلاقها بسبب الضغوط السياسية. فالدولة التي تحاسب موظفا صغيرا بينما تتردد أمام مسؤول نافذ لا تحقق العدالة بل تكرس شعورا عاما بأن القانون لا يطبق على الجميع بالمعيار نفسه.

ومع ذلك فإن المحاسبة الحقيقية يجب أن تقوم على الدليل والقضاء المستقل لا على الاتهامات الإعلامية أو تصفية الحسابات فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، والعدالة لا تكون عادلة إلا إذا شملت الجميع وحمت حقوق المتهمين وأوصلت القضايا إلى نتائج قانونية واضحة.

إن الأحزاب والكتل السياسية مطالبة اليوم بإثبات أن حديثها عن الإصلاح ليس مجرد وسيلة لكسب ثقة الناخبين. فالإصلاح يبدأ عندما تقبل القوى السياسية بأن يخضع أفرادها للمساءلة وأن لا يتحول النفوذ إلى حصانة ولا الموقع الوظيفي إلى حماية من القانون.

أما القول إن محاسبة الفاسدين قد تؤدي إلى انهيار العملية السياسية فيحتاج إلى توضيح صريح: هل المقصود انهيار مؤسسات الدولة أم تضرر مصالح بعض القوى التي اعتادت الإفلات من الرقابة؟ فالفرق بين الأمرين كبير ولا يجوز استخدام استقرار العراق ذريعة لتعطيل العدالة.

إن العراق بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية لمكافحة الفساد وتعزيز استقلال القضاء ودعم الأجهزة الرقابية ورفع مستوى الشفافية في العقود الحكومية واسترداد الأموال التي تثبت سرقتها وفق القانون.

فالعملية السياسية لا تقوى بحماية الفاسدين وإنما تقوى بحماية الدولة من الفساد ولا تنهار الدولة عندما يحاسب المخطئون وفق القانون بل تضعف عندما يصبح الفساد أقوى من المؤسسات والمصالح الحزبية أقوى من حقوق الشعب.

إن العراق أكبر من الأحزاب والمناصب والمال العام أمانة العراقيين وسيادة القانون ليست تهديدا للعملية السياسية بل شرطا لبقائها.