الاثنين - 14 سبتمبر 2026

المقاومة الثقافية.. من التبعية… إلى الشراكة في القرار والمحاسبة لتأمين الصمود…!

منذ ساعتين
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

د. نسيب حطيط ||

 

 

إن المنهج الإلهي يحدّد منهجية قيادة الأمة و آلية تقرير مصيرها واتخاذ القرارات المتعلقة بها جاء ،بخطاب مباشر للرسول الأكرم(ص)، وهو المقدّس المرتبط بالوحي الإلهي والذي(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)، ولا بصيرة ولا ولاية مطلقة فوق ولايته على المؤمنين(النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، خلافاً لأي “بشري” بعده سوى الأئمة المعصومين(ع) وفق ما يعتقده المسلمون الشيعة ومع ذلك، كان الأمر الإلهي واضحاً(وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)،( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) لتكون هذه الآيات وغيرها “سنّة” نبوية شريفة يجب على المسلمين الصادقين المؤمنين بالله ورسوله الانصياع لها، واتخاذها منهجاً عاماً فيما يتعلق بكل قرار ينعكس على الأمة أو الجماعة سلباً أو إيجاباً، فلا يُعتمد على قرار الفرد أو الجماعة المنظمة بل يُرجع إلى مبدأ التشاور قبل التنفيذ والتوكل على الله لتحديد شروط ومواصفات القرار، فيربطه بالجماعة التي يمثلها القائد، سواء كان النبي أو الرسول أو الإمام أو المصلح، مقيّداً في التوكل على الله والتوكل ليس بالمعطى اللفظي أو الكسل أو عدم العقلانية وإهمال الوقائع.

لقد أعطى الرسول الأكرم(ص) أمثلة تنفيذية عديدة لهذا الأمر الإلهي، لتثبيته وليكون مدرسة للمسلمين، فاستشار في معركة الخندق ولم يفرض رأيه، واعتمد النقاش في المباهلة، وطلب من المسلمين مسامحته او محاسبته قبل وفاته حتى تجرأ احد المسلمين بطلب ضربه بالسوط ،لأن الرسول أصابه وهو يضرب ناقته ..فكشف الرسول عن بطنه ليقتص منه !

إن من حق الناس أن تشارك في تقرير مصيرها، وفي كل قرار يتعلق بمستقبلها وأنفسها وأموالها وأرزاقها، وأن ترفض التعامل معها كرعايا أو أتباع يجب عليهم التنفيذ دون نقاش، والرضا بخيارات ترشيح من يمثلهم دون اعتبار لكفاءتهم أو فسادهم أو حسن سلوكهم الاجتماعي والأخلاقي، مما فرض عليهم انتخاب “النواب الأنبياء-المفترضين” وفق منظومة “النيابة المؤبدة” ، دون محاسبتهم على تقصيرهم او فشلهم بواجباتهم ، ولا يملكون من أسباب البقاء إلا ثقة القائد أو التنظيم الذي رشحهم، مما جعل الطائفة تنوء تحت قرار إعادة انتخاب الأشخاص لأكثر من 30 عاماً، مع وجود أفراد من أصحاب الكفاءة حتى داخل التنظيمات أنفسهم، وهم أكثر إخلاصاً وصدقاً وحسن سلوك، دون مبرر.

لا يجوز استثمار إخلاص الناس وصبرها وحرصها بإعدام العقل واستبعاد الكفاءات والضغط عليها لقبول منظومة التبعية المطلقة، واتهامها وتكفيرها سياسياً ورُبما عقائدياً لأنها اعترضت أو استفسرت عن قرارات قياداتها، حتى لو كانت خاطئة أو متخبطة أو غير واقعية!

لا يجوز تسخيف آراء الناس وإهمالها حتى لو صدرت عن المخلصين والصادقين والمؤيدين غير المرتبطين بجهات خارجية والذين لا يطمعون بشيء من مغانم الدنيا لأنهم غير مرتبطين أو منتسبين حزبياً، بالتلازم مع انعدام الرأي داخل التنظيم أو النقاش، حتى تحول أكثر الحزبيين إلى “روبوتات” بشرية تتمتم باعتراضاتها وتهمس باحتجاجاتها لكنها لا تجهر بها خوفاً من العقاب أو الحرمان من الوظيفية أو المغانم، وصولاً إلى علماء الدين الذين تم حصارهم وسلبهم موقعيتهم داخل القرى والمجتمع، فغيّبوا أنفسهم وتم تغييبهم، وخسر المجتمع منارات الضوء في ليل الجهل الشرعي والأخلاقي، وفُتحت أبوابه لكل معتدٍ وطامعٍ وانحراف.

يتحمل الناس مسؤولية ما يعيشونه لأنهم تنازلوا عن حقهم في الشراكة في القرار وتقرير المصير، وخافوا من محاسبة المقصرين أو الفاسدين، بل انحرف بعض الناس للدفاع عن الفاسدين مقابل مصالح ذاتية أو خوفاً من عقاب ووصل الناس إلى عدم الثقة بأنفسهم واقتنعوا أن قرارهم لا يقدم ولا يؤخر، وهذا خلاف الواقع، فلا يمكن لزعيمٍ أو قائدٍ أو تنظيم أن يتخلى عن الناس الذين هم سفينته التي يبحر فيها في السياسة والجاه والأموال والسلطة، فإذا ما هزّ الناس عصا المحاسبة والاعتراض والتمرد، سارع القائد والتنظيم لتطييب خاطرهم وتنفيذ مطالبهم وعدم تحديهم، فإذا يتم وضعه بين خيارين، إما حماية الفاسد الفاشل أو خسارة الناس، فيسرع دون تردد لمراضاة الناس والتخلي عن الفاسد ويتركه يتلذذ بما غنمه من رشاوى ومال حرام.

فليبادر أهل المقاومة لممارسة حقهم الشرعي والقانوني في تقرير مصيرهم، وليثقوا بأنفسهم، لأن اعتراضهم سيكون مسموعاً إذا جهروا به واتحدوا حوله، ولا يمكن أن يهزمهم فاسد، بل يستطيعون تصويب القرارات بما يحفظ حقوقهم ويؤمن صمودهم الشريف والكريم، وتستفيد القيادات والأحزاب من صمودهم لتبقى على قيد الحياة والاحترام.

لا تكونوا من الذين يبيعون آخرتهم بدنيا غيرهم…لا تكتموا اصواتكم!

د.نسيب حطيط