الجزائر.. جينات نوفمبر وثوابت فلسطين:لماذا كان محتوماً على أرض الشهداء طرد سفير دولة الإمارات التي تتنفس التطبيع؟!
عدنان عبد الله الجنيد ||

حين تتكلم ذاكرة الشهداء:
في الجزائر، لا تُقاس السيادة بمساحة البيانات الدبلوماسية، ولا تُوزن العلاقات الخارجية بميزان المجاملات السياسية؛ فهذه أرضٌ كُتبت هويتها بالدم، وشُقَّ طريق استقلالها على امتداد 132 عاماً من المقاومة، حتى جاءت ثورة أول نوفمبر 1954 لتضع حداً لمرحلة استعمارية طويلة، وتمنح العالم واحدة من أكثر تجارب التحرر الوطني رسوخاً في الذاكرة الإنسانية.
من الأمير عبد القادر إلى شهداء نوفمبر، ومن الزعاطشة إلى الجزائر المستقلة، بقيت هناك قاعدة واحدة لا تتغير: الأرض التي دفعت ثمن حريتها لا تسمح لأحد بأن يعبث بسيادتها.
ومن هنا تبدو الأسئلة أكثر إلحاحاً من الأجوبة:
كيف يمكن لبلد المليون شهيد أن يتسامح مع أي محاولة للمساس بوحدته الوطنية؟
وكيف يمكن لدولةٍ جعلت فلسطين قضية ثابتة في وجدانها السياسي أن تتعامل بلا اكتراث مع دولة اختارت التطبيع مع الكيان الصهيوني؟
وكيف يمكن للجزائر أن تنظر بعين الرضا إلى تمدد نفوذ إقليمي يقترب من حدودها، ويتحرك في الساحل وليبيا والصحراء الغربية، بينما ترى فيه تهديداً لعمقها الاستراتيجي؟
وهل كان ممكناً، بعد سنوات من التحذير وضبط النفس وتراكم الملفات، أن يستمر الصمت إلى ما لا نهاية؟
لذلك لم يكن العاشر من سبتمبر 2026 يوماً عادياً في العلاقات الجزائرية الإماراتية؛ ففيه أعلنت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات، وأمهلت سفيرها 48 ساعة لمغادرة البلاد، ثم أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية ابتداءً من اليوم التالي. لم تكن تلك لحظة انفعال، وإنما لحظة قالت فيها الجزائر إن للصبر نهاية، وللسيادة حدوداً لا يجوز تجاوزها.
بلد المليون شهيد ودحر الاستعمار.. لماذا كان القرار محتوماً؟
الجزائر التي واجهت استعماراً امتد أكثر من قرن لا تنظر إلى التدخل الخارجي باعتباره تفصيلاً دبلوماسياً. فالذاكرة الجزائرية لا تزال ترى في كل محاولة لاختراق القرار الوطني امتداداً، ولو اختلفت الأدوات، لمنطق الوصاية الذي قاومته بالأمس.
ولهذا فإن قطع العلاقات مع الإمارات جاء بعد مسار طويل من التوتر والتراكم.
فمنذ سنوات، أخذت الجزائر ترفع مستوى التحذير تدريجياً، بينما كانت الهوة تتسع في ملفات الأمن القومي والتدخلات الإقليمية.
وفي فبراير 2026، سبقت القطيعة إجراءات عملية بإلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة عام 2013، كما ظل منصب السفير الجزائري في أبوظبي شاغراً منذ ديسمبر 2025.
ثم جاءت التصريحات الرئاسية المتتالية لتكشف أن الأزمة تجاوزت حدود الخلاف العابر.
وحين تتحدث الجزائر عن تدخل في شؤونها الداخلية، ودعم محتمل لحركة انفصالية مصنفة إرهابية لديها، وإيواء مطلوبين للقضاء، وشبهات مرتبطة بشبكات تهريب وتجسس واختراق أمني، فإن المسألة تنتقل تلقائياً من خانة الخلاف السياسي إلى خانة الأمن القومي.
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً: ماذا يبقى من معنى السيادة إذا كانت الدولة تتلقى رسائل تهديد من الداخل والخارج ثم تكتفي بالاحتجاج؟
لقد اختارت الجزائر الإجابة بالفعل: حين يصل التدخل إلى حدود المساس بالوحدة الوطنية، تصبح القطيعة أداة دفاع عن السيادة، لا مجرد عقوبة دبلوماسية.
من عمر المختار إلى وحدة الساحات.. ذاكرة لا تعرف الاستسلام:
ليس عمر المختار جزائرياً، لكن رمزيته تنتمي إلى الذاكرة العربية الجامعة التي صنعتها المقاومة في مواجهة الاحتلال والتدخل والهيمنة.
حين وقف شيخ المجاهدين في ليبيا في وجه الاستعمار الإيطالي، لم يكن يدافع عن قرية أو وادٍ فحسب، بل كان يدافع عن معنى أعمق: أن الشعوب لا تصبح حرة إذا أصبحت إرادتها رهينة للقوة الخارجية.
وهنا تلتقي سيرة عمر المختار مع الجزائر، وتلتقي الجزائر مع فلسطين واليمن ولبنان وكل ساحات المقاومة.
فالمعركة في جوهرها واحدة، حتى وإن اختلفت الجغرافيا والأزمنة: من يملك القرار؟
ومن يحدد مستقبل الأرض؟
ومن يملك حق رسم التحالفات والحدود والمصالح؟
إن مفهوم وحدة الساحات لم يولد من فراغ، بل هو التعبير المعاصر عن حقيقة تاريخية عاشتها شعوب المنطقة: أن الاحتلال والتدخل الخارجي لا يتوقفان عند حدود دولة واحدة، وأن الدفاع عن السيادة يمكن أن يتحول إلى شبكة تضامن عابرة للحدود.
ومن هذه الزاوية، تبدو الجزائر أقرب إلى مدرسة المقاومة منها إلى مدرسة الاصطفافات؛ فهي لا ترى فلسطين ملفاً خارجياً منفصلاً عن أمن الأمة، ولا تنظر إلى التطبيع بوصفه مجرد خيار ثنائي، بل باعتباره إعادة تشكيل لمعادلات المنطقة.
ولهذا فإن ثوابت الجزائر تجاه فلسطين ليست زينة خطابية؛ إنها جزء من صورتها عن نفسها.
من الزعاطشة إلى غزة.. حين تتغير البنادق ولا تتغير القضية:
في الزعاطشة، عام 1849، كتب الشيخ بوزيان وأهل الواحة صفحة دموية من تاريخ المقاومة الجزائرية. واجهوا قوة استعمارية ضخمة، وحاصرهم الجيش الفرنسي، لكن الحصار لم ينتزع منهم إرادة المقاومة.
لقد أراد الاستعمار أن يحوّل الزعاطشة إلى عبرة للخاضعين، فتحولت هي إلى ذاكرة للرافضين.
وهنا يمتد الخيط التاريخي نحو غزة.
غزة ليست الزعاطشة، والقرن التاسع عشر ليس القرن الحادي والعشرين، لكن جوهر المشهد واحد: قوة عسكرية هائلة في مواجهة مجتمع يرفض أن يُمحى من الجغرافيا أو يُجرد من إرادته.
في الزعاطشة، كان الاستعمار يريد إخضاع المكان وسكانه؛ وفي غزة، يتجدد الصراع حول الأرض والهوية والحق في البقاء.
لهذا تفهم الجزائر فلسطين من موقع الذاكرة لا من موقع المزايدة السياسية. فهي دولة عرفت معنى أن يحاصر المحتل مدينة، وأن يحاول كسر إرادة أهلها، وأن يستخدم التفوق العسكري لإعادة صياغة الواقع.
ومن الزعاطشة إلى غزة، تبدو الرسالة واحدة: قد يستطيع المحتل أن يحاصر الأرض، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يحاصر الذاكرة.
وهنا أيضاً نفهم لماذا يصبح التطبيع بالنسبة إلى الجزائر أكثر من مجرد اختلاف في السياسة الخارجية؛ لأنه يتعارض مع سردية تاريخية تشكلت أصلاً على مقاومة الاحتلال.
من الساحل الغربي اليمني إلى الصحراء الغربية الجزائرية.. حين تصبح الجغرافيا ساحة صراع:
في اليمن، كما في الجزائر، لم تعد الجغرافيا مجرد مساحة صامتة على الخريطة.
الساحل الغربي اليمني يطل على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما تمتد الصحراء الجزائرية في قلب عمق أفريقي ومغاربي شديد الحساسية. وبين الموقعين تتقاطع أهمية الجغرافيا مع صراع النفوذ.
ومن هنا يمكن فهم حساسية الجزائر تجاه التحركات الإماراتية في الساحل وليبيا والسودان وموريتانيا، كما يمكن فهم حساسية اليمنيين تجاه أي مشروع يستهدف سواحلهم أو موانئهم أو قرارهم السيادي.
في اليمن، يبرز خطاب المقاومة الرافض لتحويل الساحل والموانئ إلى أوراق نفوذ خارجي. وفي الجزائر، يتجسد الموقف ذاته في رفض تحويل الصحراء الغربية والمحيط المغاربي إلى مجال ترتيبات تُفرض من خارج المنطقة.
إن الفرق في الجغرافيا لا يلغي وحدة السؤال: هل تكون الأرض لأهلها، أم تتحول إلى منصة لمشاريع الآخرين؟
وفي هذا السياق، يصبح موقف المقاومين اليمنيين والجزائريين متقاطعاً في جوهره؛ كلاهما يرفض أن تتحول السيادة إلى سلعة، وأن يصبح الموقع الاستراتيجي سبباً لانتزاع القرار من أصحابه.
إن باب المندب بالنسبة إلى اليمن، والصحراء بالنسبة إلى الجزائر، ليستا مجرد نقطتين على الخريطة؛ إنهما عمقان من أعماق الأمن القومي.
ومن يقترب من الجغرافيا السيادية دون موافقة أصحابها، لا يقترب من الرمل والحجر فقط، بل يقترب من خطوط النار السياسية والتاريخية.
الدوافع المباشرة.. عندما تتحول السيادة إلى أمن قومي
القرار الجزائري لا يمكن تفسيره بعامل واحد.
فهناك طبقات متراكمة من الخلاف: التدخل في الشأن الداخلي، ملف الحركات الانفصالية، قضايا المطلوبين والفساد، الشبهات الأمنية، الصراع على النفوذ الإقليمي، الملف الليبي، الساحل، السودان، المغرب والصحراء الغربية، ثم يأتي التطبيع مع الكيان الصهيوني ليضيف طبقة سياسية وأخلاقية شديدة الحساسية.
وعندما تتراكم هذه الملفات، يصبح السؤال: هل تستطيع الدولة أن تفصل الأمن القومي عن سياستها الخارجية؟
الجزائر أجابت بالنفي.
لقد اختارت أن تنتقل من ضبط النفس إلى الردع الدبلوماسي؛ من التحذير إلى الإجراء، ومن إبقاء الأبواب مواربة إلى إغلاقها عندما رأت أن استمرار العلاقة أصبح يحمل كلفة تمس مصالحها العليا.
واللافت أن القرار حظي، وفق المعطيات الواردة، بتأييد سياسي وشعبي واسع، بما في ذلك أحزاب الموالاة والمعارضة ومنظمات وطنية، وهو ما يكشف أن المسألة تجاوزت الحسابات الحزبية لتلامس وعياً وطنياً مشتركاً.
وهنا تكمن قوة القرار: أنه لم يُقدَّم باعتباره انتصار فريق على فريق، وإنما باعتباره استعادة لمساحة القرار الوطني.
أما إغلاق المجال الجوي، بعد قطع العلاقات، فيمنح الرسالة بعداً استراتيجياً أوضح؛ فالجزائر لم تكتفِ بإعادة ترتيب التمثيل الدبلوماسي، بل أرادت أن تقول إن إجراءاتها تمتد إلى المجال السيادي والأمني.
إنها ليست قطيعة من أجل القطيعة، وإنما إعادة تعريف للحدود التي يمكن أن تقف عندها العلاقات الخارجية.
الخاتمة: نوفمبر لم يمت.. وفلسطين ما زالت البوصلة
من الزعاطشة إلى نوفمبر، ومن عمر المختار إلى غزة، ومن الساحل الغربي اليمني إلى الصحراء الجزائرية، يتكرر السؤال نفسه بأسماء مختلفة: من يملك الأرض، ومن يملك القرار، ومن يملك حق رسم المستقبل؟
لقد تغيرت أدوات الصراع؛ لم تعد الجيوش وحدها هي التي تعبر الحدود، بل أصبحت النفوذ السياسي، والاختراق الأمني، والتحالفات الإقليمية، والموانئ، والممرات البحرية، والإعلام، والاقتصاد، وأدوات الضغط المختلفة، كلها أجزاء من معركة السيادة.
لكن الجزائر، التي خرجت من رحم ثورة نوفمبر، تبدو وكأنها تقول إن الذاكرة لم تتحول إلى متحف، وإن جينات المقاومة لا تنتهي بانتهاء المعركة العسكرية.
ففي بلد الشهداء، لا يكفي أن تكون الدولة مستقلة على الورق؛ يجب أن يكون قرارها مستقلاً أيضاً.
ولهذا جاءت القطيعة مع دولة الإمارات، وفق المعطيات المقدمة، باعتبارها حصيلة سنوات من التراكم، لا لحظة غضب؛ وقراراً سيادياً، لا مناورة عابرة؛ ورسالة إلى الداخل والخارج بأن الأمن القومي ليس مجالاً للمساومة.
أما فلسطين، فتظل في قلب هذه المعادلة؛ لأنها بالنسبة إلى الجزائر ليست قضية حدود بعيدة، بل امتحان لمفهوم التحرر الذي صنعت به الجزائر تاريخها.
وهكذا يعود نوفمبر من الماضي إلى الحاضر، لا بصورة ذكرى، وإنما بصورة موقف.
وتعود الزعاطشة من صفحات التاريخ لتقف بجوار غزة.
ويعود عمر المختار ليصافح شهداء الجزائر واليمن وفلسطين في ذاكرة واحدة.
وفي النهاية، ربما تختصر الحكاية كلها عبارة واحدة:
الأرض التي أنجبت الشهداء لا تخاف العزلة، والدولة التي دفعت ثمن استقلالها لا تبيع قرارها، والأمة التي جعلت فلسطين في وجدانها لا تستطيع أن تتعامل مع التطبيع كأنه مجرد تفصيل دبلوماسي.
تلك هي الجزائر حين تتكلم لغة نوفمبر؛ وحين تتقدم السيادة، تتراجع كل حسابات المجاملة.




