الاثنين - 14 سبتمبر 2026

هل يمتلك العراق قراره الأمني؟.. الحياد بين الشعار والسيادة..!

الاثنين - 14 سبتمبر 2026

عامر جاسم العيداني ||

 

 

يطرح الواقع العراقي سؤالا جوهريا: هل يمتلك العراق قراره الأمني والسيادي بصورة كاملة أم ما زالت قوى خارجية وداخلية قادرة على التأثير في أراضيه وأجوائه ومؤسساته الأمنية بما يخدم أهدافا لا تنسجم دائما مع المصلحة الوطنية؟

لا يتعلق الأمر بتحميل جهة واحدة مسؤولية الأزمات ولا بالانحياز إلى محور إقليمي أو دولي بل بتحديد معنى السيادة عمليا. فالدولة المستقلة لا تكتفي برفع شعار السيادة أو امتلاك مؤسسات تحمل اسمها وإنما تحتاج إلى القدرة على معرفة ما يجري داخل حدودها والسيطرة على أجوائها ومياهها وأراضيها واتخاذ القرار الأمني وتنفيذه من خلال مؤسساتها الدستورية.

يقع العراق في منطقة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا والدول العربية وأوروبا والصين ومن حقه أن يقيم علاقات متوازنة مع الجميع وأن يستفيد من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تستخدم أجواؤه في عمليات عسكرية لا يكون القرار العراقي طرفا حاسما فيها كما لا يمكن لدولة أن تعلن الحياد ثم تسمح للآخرين باستخدام ساحتها في صراعاتهم.

والحياد الحقيقي ليس موقفا سلبيا أو صمتا أمام الانتهاكات بل سياسة تقوم على استقلال القرار. فالعراق لا ينبغي أن يكون منصة للهجوم على الآخرين ولا أن يقبل في الوقت نفسه بأن تكون أرضه أو أجواؤه هدفا مباحا. ويتطلب ذلك دبلوماسية نشطة واتفاقات واضحة وقدرة عسكرية وأمنية تمنع فرض الأمر الواقع.

وفي قلب هذه المعادلة تبرز قضية السلاح خارج سلطة الدولة لأنها تؤثر مباشرة في القرار الأمني والسياسة الخارجية، فوجود تشكيلات أو أسلحة لا تخضع بصورة كاملة للقائد العام للقوات المسلحة وللقوانين النافذة يؤدي إلى تعدد مراكز القرار ويمنح أطرافا داخلية أو خارجية قدرة على تعطيل الدولة أو جرها إلى مواجهات لا تخدم مصالحها.

وفي المقابل فإن اختزال مشكلة السلاح خارج الدولة في فصيل أو جهة واحدة لن يؤدي إلى الحل فالمطلوب معيار واحد يطبق على الجميع لأن سيادة القانون تفقد معناها عندما تكون هناك استثناءات سياسية أو طائفية أو حزبية لا يمكن بناء دولة قوية بسلاح متعدد الولاءات كما لا يمكن بناء حياد حقيقي بينما توجد قرارات أمنية خارج التسلسل الدستوري.

ولا تعالج هذه القضية بالمواجهة العشوائية أو الإقصاء بل بخطة وطنية تدريجية وشاملة تبدأ بحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية وتنظيم أوضاع التشكيلات وفق القانون ودمج من تنطبق عليهم الشروط في الأجهزة الأمنية وفتح المجال أمام من يريد العمل السياسي للانتقال إلى النشاط المدني مع تطبيق القانون على كل من يرفض الانصياع من دون انتقائية أو استثناء،

كما ينبغي ضبط التمويل والمعسكرات والمخازن ومنع أي قرار عسكري خارج التسلسل الرسمي وتعزيز الرقابة البرلمانية والقضائية بحيث يصبح واضحا للعراقي وللخارج أن قرار الحرب والسلم والتحرك العسكري والعلاقات الأمنية هي من اختصاص الدولة وحدها.

إن امتلاك العراق قراره لا يعني قطع علاقاته مع واشنطن أو الدخول في مواجهة مع طهران بل يعني أن تكون المصلحة العراقية هي معيار العلاقات جميعا. فالعراق يستطيع التعاون مع الجميع لكنه لا يستطيع أن يسمح لأي طرف بتحديد موقعه أو استخدام أرضه أو التأثير في قراره الأمني.

العراق ليس مضطرا إلى اختيار معسكر ضد آخر لكنه مضطر إلى اختيار نفسه والحياد الذي نحتاجه ليس حياد الدولة الضعيفة التي تتفرج على الآخرين وهم يستخدمون ساحتها بل حياد الدولة القوية التي تقول للجميع ان أرض العراق وأجواؤه وقراره الأمني ليست ملكا لأي محور.

وعندما يصبح السلاح حصرا بيد الدولة ويخضع الجميع للقانون وتكون الحدود والأجواء والأرض تحت سيطرتها الفعلية يمكن عندها الحديث عن حياد حقيقي وسيادة راسخة لا عن شعار جميل يفتقر إلى القدرة على التطبيق.