الاثنين - 14 سبتمبر 2026

باب المندب… التهديد بدل الحسم.. الجزء الثاني..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

د . طالب الشوكة ||

 

طالب

 

 

المخطط الأمريكي يفضّل حماية الممرات البحرية من المياه الدولية واعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة على تحويل الأراضي اليمنية الساحلية إلى مسرح حرب مفتوحة مع القوات الأمريكية. كما تعتمد الولايات المتحدة، بدرجات مختلفة على القوات المحلية والإقليمية لخوض المعارك البرية. غير أن التشرذم السياسي وتضارب الأجندات بين القوى المناهضة لانصار الله في الساحل الغربي أضعفا قدرة هذه الجبهات على تحقيق حسم عسكري. ومن وجهة نظر واشنطن فإن الضغط باتجاه تغيير خطوط السيطرة العسكرية من دون وجود رؤية سياسية موحدة لدى الأطراف المحلية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بدلاً من إنهائه.
هناك أيضاً إيران. فالتعامل مع النفوذ العسكري للحوثيين بطريقة واسعة على طول الساحل الغربي يمكن أن يرفع احتمالات الصدام المباشر مع طهران في وقت كانت فيه واشنطن تحاول إبقاء الصراع ضمن حدود معينة وعدم السماح له بالتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
ولهذا فضّلت الولايات المتحدة إبقاء الضغط العسكري عند مستوى لا يؤدي إلى فتح جبهات أكبر تمتد إلى الخليج العربي ومصادر الطاقة. لا يمكن النظر إلى الاستراتيجية الأمريكية في اليمن بمعزل عن أولويات واشنطن الأخرى. فالمنافسة مع الصين، والحرب في أوروبا الشرقية ( حرب اوكرانيا ) والحفاظ على الانتشار العسكري الأمريكي في مناطق مختلفة من العالم، كلها عوامل تدخل في حسابات أمريكا . إبقاء تركيز عسكري كبير في اليمن يعني استنزاف جزء من القدرات الأمريكية في ساحة لا تريد أن تتحول إلى حرب طويلة جديدة. وجاء تجنب التدخل البري المباشر لاستعادة الساحل الغربي باعتباره نتيجة لحسابات التكلفة مقابل العائد. فواشنطن ترى أن تحمل آثار اضطراب البحر الأحمر مهما كانت مؤلمة أقل تكلفة من الانزلاق إلى مستنقع حرب برية مفتوحة. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تريد إضعاف دول الخليج بالمعنى التقليدي بقدر ما يعني أن استمرار الحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية يمنح واشنطن مساحة أكبر للتأثير في قرارات المنطقة. فإدارة التوترات حول الممرات البحرية الاستراتيجية تجعل دول المنطقة أكثر حاجة إلى القدرات الأمريكية في الدفاع الجوي والبحري والاستخبارات والمراقبة في وقت تسعى فيه الصين وروسيا إلى توسيع نفوذهما في الشرق الأوسط.
ومن زاوية أخرى تدرك واشنطن أن أمن الطاقة العالمي لا يعتمد على بقاء ممر واحد فقط مفتوحاً أمام التجارة. لذلك فإن تنويع طرق النقل والطاقة وتطوير البدائل يقللان من قدرة أي طرف على تحويل نقطة اختناق مثل باب المندب أو مضيق هرمز إلى ورقة ضغط منفردة على الاقتصاد العالمي. في النهاية، فإن قضية باب المندب لا تتعلق فقط بالحوثيين أو بالساحل الغربي لليمن وإنما تكشف حدود القوة الأمريكية في التعامل مع الحروب غير المتناظرة. فقد تستطيع الولايات المتحدة اكتشاف التهديد وضرب مصادره واعتراض صواريخه ومسيراته لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها فرض واقع سياسي وعسكري جديد على الأرض من دون دفع ثمن أكبر. ولهذا فإن عدم خوض معركة برية واسعة في اليمن لا يبدو نتيجة جهل بما يجري بقدر ما هو نتيجة تقاطع حسابات عسكرية واقتصادية وسياسية. لقد اختارت واشنطن، في هذه المعادلة إدارة التهديد بدلاً من الحسم تحمّل خسائر لوجستية واقتصادية محددة في البحر الأحمر بدلاً من دفع ثمن حرب برية مفتوحة قد تكون نتائجها أبعد من اليمن نفسه. وهنا تكمن المفارقة قد تكون السيطرة على الأرض هدفاً يمكن تحقيقه عسكرياً في ظروف معينة لكن الحفاظ على تلك السيطرة وإنهاء التهديد بصورة نهائية يحتاج إلى حرب مختلفة تماماً، حرب لا تبدو واشنطن مستعدة لدفع كلفتها.