الاثنين - 14 سبتمبر 2026

حين يتحد الآخرون ونزداد انقسامًا..!

منذ 52 دقيقة
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

من الثوابت اللافتة في مسيرة الاجتماع البشري منذ فجر الوجود، أن الجماعات تنبذ خلافاتها الداخلية حين تستشعر خطرًا وجوديًا يهدد كيانها بأسره. فالخلاف على الكلأ والماء، والتنازع على النفوذ داخل القبيلة الواحدة، كل ذلك يتراجع فورًا إلى الخلف حين يظهر عدو مشترك أو تحلّ كارثة تهدد الجميع بلا استثناء.

فقانون البقاء، الذي هو من أقدم قوانين الاجتماع البشري، يفرض على الجماعة أن تتوحد لتنجو، وإلا كان مصيرها الفناء. في العصور الحجرية الأولى، كانت القبائل المتناحرة على مناطق الصيد تتحد فورًا إذا داهمتها حيوانات مفترسة أو قبيلة معادية أشد بأسًا، فتتقاسم السلاح البدائي والمؤن والملجأ، وتنسى -ولو مؤقتًا- ثارات الأمس.

وفي وادي الرافدين ووادي النيل، كانت الفيضانات المدمرة أو موجات الجفاف القاسي تدفع القرى المتناثرة والمتنافسة على الأرض والماء إلى الاندماج في تحالفات ثم في ممالك موحدة، إذ أدرك الإنسان الأول أن مواجهة الطبيعة الغاشمة فرديًا محكومة بالفناء.

وحين تعرضت الشعوب القديمة لغزوات خارجية كاسحة، كالغزوات التي تعرضت لها الممالك الصغيرة المتناحرة في بلاد الشام والأناضول، كانت تلك الممالك التي رفضت التوحد دفعت ثمن تفرقها احتلالًا وزوالًا، بينما نجت أو قاومت طويلًا تلك التي بادرت إلى التحالف رغم خلافاتها القديمة.

الدرس واحد في كل هذه الأمثلة، الخطر الداهم مولّد طبيعي للوحدة، والأمان الزائف مولّد طبيعي للتشرذم. وفي التاريخ المعاصر أيضًا صورة عن هذه الآلية، وإن كانت آلية استُخدمت لتنفيذ جريمة تاريخية لا لبس فيها، فاليهود، بعد قرون من الاضطهاد المتنقل عبر القارات، توحدوا حول مشروع احتلال فلسطين وتهجير أهلها العرب.

وهو مثال لا يستحق أي إعجاب أو تبرير، لكنه يكشف كيف يمكن لجماعة أن تسخّر تاريخها المؤلم -مهما كان مشروعها ظالمًا- في خدمة هدف واحد تتوحد حوله.

نحن الشيعة، حين ننظر إلى تاريخنا، نجد أننا مررنا بسلسلة طويلة من المحن الوجودية لا تقل قسوة عمّا مرّت به أمم أخرى عبر التاريخ، بل ربما تفوقها في بعض محطاتها، بدءً من مجزرة كربلاء التي أسست لمظلومية تاريخية عميقة، إلى الاضطهاد المتكرر عبر عصور تلت، وصولًا إلى القمع الأشد ضراوة في العهد البعثي الذي شهد الإعدامات والتغييب والمقابر الجماعية وحملات الترحيل القسري التي طالت مئات الآلاف.

ومع ذلك، لم نتوحد حول فكرة بناء كيان يليق بنا، يحمينا ويجمع شتاتنا ويحفظ لنا القرار. كلما منّ الله تعالى علينا بخلاص بعد مئات السنين من العذاب، لم نحسن استثمار تلك اللحظة التاريخية، بل عدنا سريعًا إلى انكساراتنا الداخلية، فتنازعنا على الزعامة والولاءات المتضاربة، حتى سقطنا مجددًا في وادٍ سحيق من الظلم يستمر سنوات أو عقودًا أخرى.

فحين سقط النظام البائد عام 2003 وأُتيحت للشيعة فرصة تاريخية نادرة لبناء مشروع سياسي موحّد يحفظ حقوقهم ويؤمّن مستقبلهم، تحولت تلك الفرصة سريعًا إلى صراعات بينية على السلطة والنفوذ، فسحت المجال أمام قوى الفساد والاختراق الخارجي لتعيد إنتاج الهشاشة ذاتها التي عانينا منها في كل مرة أُتيحت لنا فيها فرصة النهوض.

فالسؤال الذي يجب أن يُقلق كل شيعي واعٍ بتاريخه، هو لماذا تتوحد الأمم لنصرة وجودها حين تشعر بالخطر، بينما نفزع نحن لنصرة انقساماتنا فنتفرق؟

ولماذا تتحول المظلومية عند غيرنا إلى وقود لمشروع بناء، بينما تبقى عندنا وقودًا للنحيب والانتظار؟ فإلى متى نكرر الدورة نفسها التي تبدأ بخلاص، ثم فرصة مهدورة، ثم انكسار جديد؟