القوة فقط حررت أسرانا من سجون الإحتلال الإسرائيلي..!
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

تثبت التجارب التاريخية في الصراع مع العدو الإسرائيلي حقيقة ساطعة لا يقبلها التشكيك: إن المفاوضات العقيمة والارتهان للوعود الدولية والأمريكية لم يحررا يوماً شبراً واحداً من أرضٍ، ولا أعادا أسيراً واحداً من خلف سجون الاحتلال.
إن المعادلة الوحيدة التي يفهمها هذا العدو ويذعن لها هي معادلة “القوة والإرادة”، وهو المبدأ الإستراتيجي الذي كرّسه الشهيد الأسمى حين قرن القول بالفعل، فخذوا العبرة من الشهيد الأسمى الذي قال وفعل.
فخاضت المقاومة معارك التحرير والكرامة، وحققت ما عجزت عنه المسارات الدبلوماسية لعقود.
1. دروس من التاريخ:
التحرير المشروط بالقوة
في 25 أيار/مايو 2000، يذكر التاريخ كيف انسحبت قوات الإحتلال الإسرائيلي ذليلة من جنوب لبنان، تحت عتمة الليل ومن طرف واحد، دون أي قيد أو شرط، وبلا أية اتفاقية، ودون حتى إبلاغ الميليشيات الموالية لها.
جاء هذا الإندحار نتيجة تراكم ضربات المقاومة،وحدةالبيئة الحاضنة وعظيم تضحياتها وصبرها، الضغط الشعبي الداخلي (حركة الأمهات الأربع) وفي عهد حكومة إيهود باراك. حينها
فتجلّت حقيقة أنَّ الاحتلال لا ينسحب إلا مكرهاً تحت النار.
وعقب التحرير، بدأت المطالبات عبر وسطاء دوليين لمعرفة مصير الأسرى اللبنانيين في سجون العدو داخل فلسطين المحتلة، إلا أن إسرائيل مارست التسويف والمماطلة، ورفضت تقديم أي معلومة.
هنا أطلق الشهيد الأسمى معادلة العز الشهيرة: «إننا قوم لا نترك أسرانا في السجون».
ومع صباح يوم الأربعاء 12 تموز/يوليو 2006، أصدرت المقاومة الإسلامية بيانها التاريخي:
”بسم الله الرحمن الرحيم: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم}. تنفيذاً للوعد الذي قطعته على نفسها بتحرير الأسرى والمعتقلين، قامت المقاومة الإسلامية صباح اليوم الأربعاء 12/7/2006 عند الساعة (9:05) بأسر جنديين إسرائيليين عند الحدود مع فلسطين المحتلة، وتم نقل الأسيرين إلى مكان آمن.”
تحركت الوساطات الدولية فوراً للإفراج عن الجنديين الإسرائيليين دون الإكتراث بمصير الأسرى اللبنانيين،
فكان رد المقاومة قاطعاً: تفاوض غير مباشر، والإفراج عن كافة الأسرى اللبنانيين دون قيد أو شرط.
ورغم العدوان الهمجي التدميري عام 2006، استبسلت المقاومة حتى طلب العدو عبر أمريكا ترتيبات وقف إطلاق النار بشكل فوري وصدر القرار 1701؛ واشترطت المقاومة الإنسحاب الفوري، ليعيش لبنان بعدها عصراً ذهبياً حافظ فيه على سيادته وكرامته طيلة 17 عاماً، حتى بدء جبهة الإسناد لمنع إبادة غزة ورفح.
وجسَّد إستقبال 29 كانون الثاني/يناير 2004 المشهد الأبدي للحظة النصر؛ حين هبطت الطائرة الألمانية حاملة الأسرى المحررين إلى مطار بيروت، وكان في إستقبالهم الرسمي والشعبي الرؤساء الثلاثة بقيادة الرئيس المقاوم إميل لحود وقيادة المقاومة، ليُسطَّر نصر تاريخي، أثبت أن القوة وحدها هي مفتاح السجون.
2. الانكفاء السلطوي والإرتهان للسراب الأمريكي
وفي المقابل، تظهر اليوم مقارنة مؤلمة بين منهج المقاومة المجرّب ،وكيفية تعامل السلطة السياسية الحالية مع الوعود الأمريكية، وتفاوضها العقيم دون الاستفادة من تجارب المقاومة الإستراتيجية.
فبعد بدء عدوان “سهام الشمال” الإسرائيلية في 23 أيلول/سبتمبر 2024، ودخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 برعاية أمريكية (عبر هوكشتاين) وبإعلان من جو بايدن وموافقة حكومة تصريف الأعمال، سارعت السلطة إلى الرهان على التعهدات الدولية.
و ينص الاتفاق على انسحاب إسرائيلي خلال 60 يوماً ووقف كافة العمليات العسكرية. لكن ماذا كانت النتيجة؟
لم تلتزم إسرائيل بالاتفاق يوماً واحداً وحتى مع لحظات كتابة هذه السطور. بل استغلت مهلة التمديد التي منحها ترامب حتى 18 شباط/فبراير لتنفذ خلال (78) يوماً تدميراً عاتياً فاق عدوان الـ100 يوم الأول. وتفاخر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بمحو قرى جنوبية عن بكرة أبيها، ومحو ذاكرة مواطنيها، فيما يستمر الإحتلال المباشر لأكثر من 1300 كلم² من أراضي الجنوب، متكئين على وعود ترامب وتعهداته التي نكثها.
وفي ظل هذا العدوان والتدمير المتواصل، الذي يتساقط فيه بنيان القرى كأحجار الدومينو، تفاخر الرئيس جوزاف عون خلال الإحتفال بمرور عام على عهده؛ بأنه لم يطلق طلقة رصاص واحدة ضد الاحتلال، بينما يقف المجلس النيابي بين قصور وتقصير في المطالبة ببنود وقف النار، وتصر السلطتان التنفيذية والرئاسية على الالتزام الكامل بالإملاءات الأمريكية المخالفة للدستور، والاندفاع نحو تفاوض مباشر تحت ضغط الاحتلال، مما أسهم في شرعنة وجود الاحتلال، وتوفير غطاء لمنع محاكمته عن جرائم الحرب التي إرتكبها في لبنان.
3. ملف الأسرى المغيب والمسؤولية التاريخية
إن الخطورة الكبرى تكمن في تسليم السلطة السياسية بالرغبة الأمريكية-الإسرائيلية لإنهاء المقاومة سياسياً عبر سن قوانين تشريعية تصادر حق الدفاع عن الأرض وتحظر سلاح المقاومة، في وقت يعلن فيه نتنياهو وكاتس جهاراً عدم الإنسحاب من الأراضي المحتلة، فضربا بذلك القرار 1701، والقانون الدولي الإنساني بعرض الحائط.
والأدهى من ذلك، أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لم يضعا في أي من جلسات التفاوض المباشر أو المحادثات السياسية ملف تحرير الأسرى اللبنانيين في سجون الاحتلال (والذين تضم لائحتهم عشرات المعتقلين والمفقودين والأسرى الجدد منذ 2024 حتى 2026).
لقد تم تغييب القضية الإنسانية والوطنية الأولى تماماً عن أجندة التفاوض الرسمية!
إن ممثلي الثنائي الوطني في المجلس النيابي أمام مهمة تاريخية عاجلة لتصويب المسار، وفرض قضية الأسرى والسيادة الوطنية على طاولة أي حراك، والتذكير بالمعادلة الذهبية: إن هذا العدو لم ولن يُخرج أسيراً أو ينسحب من أرض إلا حين تشعر قيادته بأن بقاءه مكلف ومستحيل.. فخذوا العبرة ممن قال وفعل، فالقوة وحدها هي الخيار والضمان.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
28 آب/ أغسطس 2026




