الخميس - 27 اغسطس 2026

عشر قصص.. عن الاختلاف الشيعي.. القصة الخامسة: لا تثق بتوقعاتك..!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 27 اغسطس 2026

إيليا إمامي ||

 

 

 

عام 2013 وقبل فتوى الدفاع العظيمة بحدود ثمانية أشهر.. كنت أسير إلى الحسين عليه السلام على طريق البساتين، في زيارة عرفة، عملاً بسيرة علمائنا القدماء رضوان الله عليهم، وكان معي أخي وصديقي الذي لا تفوته زيارة من هذا النوع.

كنا نسير وسط العصافير المزقزقة والطيور المغردة على الأشجار.. بينما حديثنا كله نقاش وصياح لا علاقة له بالزقزقة لا من قريب ولا من بعيد.. وأثناء الكلام قلت له:

يا أخي والله هاي الناس عجيبة.. هالإفتراءات على السيد السيستاني شوكت تخلص؟ سمعت آخر شي؟ مطلعين دعاية يگولون أكو جماعة رايحين للسيد يستأذنون علمود يقاتلون بسوريا، والسيد گايل ليش تروحولهم همه راح يجونكم!! شايف الكذب وين وصل؟

تركني الصديق حتى أكمل كلامي ثم قال: تره هذي مو دعاية.. السيد قالها فعلاً !!

تعجبت من كلامه.. وقلت لم نعهد من السيد يثبط الناس بهذه الطريقة ويرعبهم !!

فطلب مني التأكد بعد الرجوع للنجف.. وبالفعل بعد الرجوع سألت أهل الدراية والمعرفة.. فأكدوا لي أنهم سمعوا من سماحته دام ظله مباشرة.. ليس بالطريقة المنقولة.. وإنما قال ما معناه بأن هناك مؤشرات على إمكانية اشتعال الوضع في العراق إذا بقيت المعادلة كما هي.. حكومة ليست بمستوى التحدي الأمني.. وأجندة دولية يتم تنفيذها دون رادع.. وشارع يكاد ينفجر!!

وأنا أقسم، لو قال غيرهم لما صدقت.. وكنت حتى ذلك الوقت أتصور بأني أعرف تماماً ما يمكن أن يقوله سماحة السيد وما لا يمكن.. لكن تبين لي أني الجزم والثقة الزائدة ليست في محلها.. وتوقعاتي ليست دائماً (مصيبة)!!!

حتى هذه القصة التي أكتبها الآن.. لست متأكداً لو اطلع سماحته دام ظله على كتابة أمثالي بفرض المحال.. هل يقبل أن أنقلها أم لا! وكما قلت.. الجزم صعب.

ثم.. بعد الفتوى بشهر تقريباً.. وقعت في نفس الحفرة.. حيث نقل لي صديق آخر بأن سماحته دام ظله يقول هذه الفتوى ليست مني بل من أمير المؤمنين عليه السلام.. وهذه المرة أيضاً استبعدت صدور ذلك.. لكن بحدة أقل.. (لأن ملدوغ سابقاً) واكتفيت بالقول أن سماحته ليس من أهل هذه الطريقة في الكلام..

ومرة أخرى حدثني أهل الدراية أنهم سمعوها منه مباشرة.. ثم حدثني صديق ثالث أنه سمعها قبل أيام في جلسة منفصلة.. ثم ما مرت إلا أشهر قليلة حتى سمعتها منه شخصياً في حديث كان له مع بعض المؤمنين.. وقال: هذه الفتوى التي صدرت ببركة أمير المؤمنين عليه السلام.

فالذي أحصيته بنفسي.. أن سماحته كررها ثلاث مرات في ثلاث جلسات.. والله العالم بمجموع ما أعاد هذه الكلمة.. ولا نعلم طبيعة ما عاشه سماحته ليلة إصدار الفتوى.. وما البركة التي لمسها من أمير المؤمنين حتى يلهج -وهو الصموت الحكيم- بهذا المعنى لأكثر من مرة؟! ربما يتاح لنا أن نعرف ذلك في سلسلة مفاجآت يوم القيامة.

والآن ما علاقة هاتين القصتين بالاختلاف الشيعي شيعي؟!

الفكرة التي أريد إيصالها (ولي عليها شواهد لا يسعني ذكرها) هو أن أطرح أمامك سؤال: إلى أي مدى تعتقد أن المرجعية ترتضي هذه النزاعات والنقاشات الدينية على مواقع التواصل ونحن في زمن حرب وتحدي كبير أمامنا؟

سألني أحدهم مرة لائماً: هل أنت واثق أن المرجعية ترتضي منك التفرغ لشهر، وكتابة 100 صفحة.. للمناقشة في إجتهاد الشيخ اليعقوبي؟

قلت: أنا لا أدعي إحراز رضاها أو رفضها.. لكن حجتي في ذلك أنها قالت (وليحذر المؤمنون) والمرجعية لا تحذر اعتباطاً ولا استرسالاً.. وسكوتي وسكوت أمثالي كأنه تجاهل لهذا التحذير.. في المقابل.. فإنه لا فتنة تُخشى ولا عدو يتربص في حدود هذا النقاش العلمي حول إجتهاد الشيخ من عداه.

أما في مسألة إيران.. وفقه الدولة.. وولاية الفقيه.. وروايات الأحلاس والقوم من فارس.. فالإمر مختلف حتماً.

من يا ترى لا يعلم أننا نقلد مرجعاً لا يقول بالولاية العامة؟ من يا ترى يجهل أن لدينا ألف إشكال وإشكال على سياسات إيران؟ ومليون إشكال على طريقة التعبئة النفسية للحشود.. التي تتجاوز الكثير من الموازين العلمية في توظيفها للروايات؟!

وسابقاً في وقت السلم.. قلنا هذا حتى أُشبعنا شتماً من بعض إخواننا الذين لا يسعهم الرد إلا بالشتائم.

لكن حسابات الحرب مختلفة.. وما يُراد لإيران والمنطقة اليوم.. يجعل أكبر همنا النجاة وتجاوز الأزمة التي تحتاج تركيزنا جميعاً.. وتناصرنا جميعاً.. ولا وقت حتى لمعاتبة من نعتقد أنه (ورطنا) إن قبلنا فكرة التوريط كما هي.

فلست أدري.. هل نحن متأكدون أن المرجعية ترتضي احتدام المواقف في هذه المرحلة؟

أنا أسأل وأنتظر من يجيب بوضوح.. هل من أحد واثق يقول: أنا أجزم لكم أنها تقبل؟!

وهل لمجرد أن عبارة (ليس الوقت مناسباً) أصبحت مستهلكة.. يعني سقطت قيمتها؟ وصارت بلا أثر لدى المرجعية؟

 وهذا الحسين عليه السلام يوصي عبد الله بن عباس فيقول: (ولا تتكلمن فيما لا يعنيك حتى ترى للكلام موضعا، فرب متكلم قد تكلم بالحق فعيب، ولا تمارين حليما ولا سفيها، فإن الحليم يقليك، والسفيه يؤذيك).

أكرر.. من منا ليس لديه كل يوم ألف إشكال؟ ولكننا في مدرسة المرجع الأعلى لم نعد نقرأ الروايات مجردة.. بل صرنا نرى تطبيقها في أسلوب هذا العبد الصالح.. الذي علمنا العض على الجراح.. وإن كنا نعتقد أن تمام الحق معنا.. ونرى أن أخانا الآخر يتمادى بمقولاته إلى أبعد الحدود.

للحديث عن معالجة الأخطاء وقت سيأتي.. وقت لا نكون فيه متهمين بأننا نصطف مع العدو.. أما الآن فلا بد لنا من لملمة وضعنا وتناصح عقلائنا للخروج من هذه الأزمة.. لا أن نأتي البنيان من القواعد.. فيخر علينا السقف من فوقنا قبل إتمام المراجعة والتصحيح.. ويسجل التاريخ المريض أن من أتى القواعد هو من هدم السقف!!

وأختم بقول صادق العترة عليه السلام: اسمعوا مني كلاماً هو خير لكم من الدهم الموقفة: لا يتكلم أحدكم بما لا يعنيه، وليدع كثيراً من الكلام فيما يعنيه، حتى يجد له موضعا، فرب متكلم في غير موضعه جنى على نفسه بكلامه.

#يتبع في القصص الخمس المتبقية.

https://t.me/AiliaEmame1185