الخميس - 27 اغسطس 2026

طائرة ورقية تُرعب المجرم نتنياهو والكيان..!

الخميس - 27 اغسطس 2026

عدنان عبد الله الجنيد ||

 

 

 

في غزة، لم يعد الطفل يحتاج إلى صاروخ كي يُقلق الاحتلال؛ يكفيه ورقٌ وخيطٌ وعودٌ رقيق.

يا لها من مفارقة ساخرة: كيانٌ يتباهى بالترسانة النووية، والقبة الحديدية، والذكاء الاصطناعي، وأحدث منظومات الرصد، يستنفر قيادته السياسية والعسكرية أمام لعبة يصنعها طفل نازح بين الخيام والركام!

القصة، في ظاهرها، طائرة ورقية؛ أما في عمقها فهي اختبار نفسي سقط فيه الاحتلال قبل أن تسقط الطائرة.
فإذا كان الاحتلال يخشى الورقة، فماذا سيفعل حين يواجه الإرادة؟

وإذا كانت طائرة طفل تُربكه، فكيف سيواجه جيلاً كاملاً نشأ على أن المقاومة ليست سلاحاً فقط، بل حضور لا يُهزم؟
ورقةٌ تُربك القيادة:

كيف تحولت قطعة من الورق والخشب بأيدي أطفال غزة إلى كابوس يؤرق نتنياهو وقيادته العسكرية؟
وكيف يستنفر كيانٌ مدجج بالسلاح لملاحقة لعبة يفترض أنها مساحة بريئة للتفريغ النفسي عن الأطفال؟

المفارقة الأكثر إحراجًا أن الجيش الإسرائيلي نفسه أقرّ – في بيان رسمي نقلته «تايمز أوف إسرائيل» – بعدم العثور على أي مواد مشبوهة أو متفجرات في الطائرات الأربع التي عُثر عليها قرب ناحل عوز، وأنها لم تشكل أي خطر على الجمهور، كما ذكر أنه لم يعثر على أي دليل يثبت أنها أُرسلت عمدًا نحو الأراضي الإسرائيلية.
ورغم هذا الاعتراف المدمر لهيبتهم، خرج القادة يهددون!
فقد قال نتنياهو: «الطائرات الورقية ستُعالج كعمل حربي، وسنضربها، ونضرب من يشغلها، ونضرب المكان الذي أُطلقت منه»، بينما أعلن كاتس: «البالون مثل الطائرة الورقية، والطائرة الورقية مثل الدرون، سواء حملت متفجرات أم لا».
عجبًا لكيانٍ يملك كل هذا السلاح، ثم ترتعد فرائص قيادته من خيط يربط لعبة طفل بالسماء!
يا لمهزلة القوة حين تصبح رسمة طفل ملفًا أمنيًا!
حين تفقد البصيرة العسكرية:
هنا لا تعود المشكلة في الطائرة، بل في العين التي تراها.
كيف أصبح الورق في المخيلة الأمنية أثقل من الصواريخ؟
وكيف تحولت لعبة بلا محرك ولا متفجرات إلى «مسيرة» في خطاب وزير دفاع؟
لقد صنعت صدمة السابع من أكتوبر عدسة أمنية تكبّر المجهول؛ فكل جسم طائر أصبح احتمالًا، وكل احتمال أصبح تهديدًا، وكل تهديد قابلًا لأن يتحول إلى ذريعة للتصعيد.
ما أغرب هذا الشطط العسكري الذي يرسم من لعبة طفل تهديدًا استراتيجيًا! عجبًا كيف يرى المحتل في ضحكات الأطفال وفرحتهم بالتحليق خبرًا عسكريًا يستوجب الرد!
من الورقة إلى التهديد بالإخلاء:
الأخطر أن الرد لم يتوقف عند السخرية، بل امتد إلى التهديد بالتصعيد وإخلاء سكان من مناطق يُزعم أنها مواقع لإطلاق الطائرات والبالونات والمسيّرات.
أليس هذا الرد المفرط، والتهديد بالإبادة والإخلاء بسبب لعبة طفل، أشبه بـ جنون البقر السياسي والعسكري؟
إنه يعكس إفلاسًا سلوكيًا وأخلاقيًا بعد صدمة 7 أكتوبر، حيث يُفرغ الاحتلال أحقاده وعجزه في ألعاب الأطفال، ويتوعد بتشريد الآلاف لمجرد خيط وورقة.
يا للحماقة والتوحش حين تصبح لعبة طفل مبررًا للتهديد بمربعات سكنية كاملة!
قانونيًا، فإن التهديد بالتهجير الجماعي والعقاب الجماعي يثير إشكالات خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحظر العقاب الجماعي والنقل القسري للسكان. فكيف يُبرر تشريد المدنيين بسبب لعبة؟
سقوط أسطورة التكنولوجيا:
كان يُفترض أن تكون التكنولوجيا قادرة على التمييز بين الخطر الحقيقي واللعبة.
أين ذهب الذكاء الاصطناعي ومنظومات الرصد والإنذار المبكر، أمام ذكاء طفل فلسطيني أحضر قصاصات ورق وخيوطًا من تحت الركام؟
وأين انتهت كل هذه التكنولوجيا عندما أصبحت لعبة طفل تحتاج إلى اجتماع المجلس الوزاري المصغر ورفع حالة التأهب؟
ما أوهن التباهي التقني حين تُربكه خيوط نايلون وأعواد خشبية!
إن القضية ليست عجز الرادار عن رؤية الطائرة؛ بل عجز المنظومة عن إنتاج الطمأنينة.
فالجيش الذي يرى الخطر في أبسط الأشياء يكشف أن أزمته نفسية بقدر ما هي أمنية.
الطفولة التي أصبحت هدفًا
في غزة، انعكس هذا الرعب على أصحاب اللعبة أنفسهم.
في مشاهد مؤلمة، شوهد أطفال يمزقون طائراتهم الورقية بأيديهم، باكين، خوفًا من أن تصبح سببًا في قصفهم. وقال الطفل محمد أحمد المعطي وهو يمزق طائرته: «حتى يرضى نتنياهو، حتى يرضى كاتس، حتى يرضى ترامب… يريدون حرماننا من الشيء الذي نحبه. أقسم أن قلبي يتكسر».
أيُّ انتصار هذا الذي يُبنى على تدمير طفولة؟
إن الاحتلال لم يكتفِ بمحاصرة الأرض؛ لقد وصل إلى محاولة محاصرة الفرح نفسه.
ثمار طوفان الأقصى: الخوف من المجهول:
السابع من أكتوبر لم يكسر حاجزًا ميدانيًا فحسب؛ بل ضرب فكرة «السيطرة المطلقة».
ومن هنا يمكن فهم الحساسية تجاه كل ما يأتي من غزة. فالاحتلال لا يخشى الورقة بحجمها الحقيقي؛ إنه يخشى ما لا يعرفه خلفها.
وهنا تتجلى المفارقة: جيشٌ يوصف بأنه «لا يُقهر» يمتلك ترسانة هائلة، لكنه يعيش هاجس المفاجأة إلى درجة أن لعبة طفل تستطيع أن تشغل الخطاب السياسي والعسكري.
سبحان من جعل طائرات الأطفال مرآةً تكشف هشاشة الهيبة التي حاولوا تقديمها كحقيقة مطلقة!
السنن الإلهية:
وهنا يستوقفنا قوله تعالى:﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾
[آل عمران: 151]
في القراءة الإيمانية، لا يُقاس الرعب بحجم الأداة، بل بأثره في القلب.
وهنا يمكن النظر إلى المشهد بوصفه مصداقًا دالًا على أن القوة المادية لا تضمن الطمأنينة، وأن الخوف حين يستقر في النفوس قد يجعل أبسط الأشياء تبدو تهديدًا هائلًا.
الطائرة الورقية ليست صاروخًا، والورق ليس سلاحًا استراتيجيًا؛ لكن المفارقة أن الخوف الذي أحاط بها جعلها تبدو في الخطاب الإسرائيلي أكبر من حقيقتها.
وهذه هي السخرية التي لا تحتاج إلى مبالغة: طفلٌ يرفع طائرته إلى السماء، وقيادةٌ ترفع مستوى التهديد.
لقد أرادوا إسقاط الطائرة، فإذا بها تكشف شيئًا أعمق: أن الهيبة التي ترتبك أمام خيط وورقة ليست هيبةً مكتملة، وأن القوة التي تخاف من لعبة طفل تحمل داخلها خوفًا أكبر من حجم خصمها.
وفي غزة، حيث يحاول الاحتلال منع الطفل من التحليق، تبقى الحقيقة الأكثر إيلامًا له:
قد تسقطون الورقة.. لكنكم لا تستطيعون إسقاط المعنى.
قد تحظرون اللعب.. لكنكم لا تستطيعون حظر الحلم.
وغدًا، عندما يكبر هؤلاء الأطفال، سيتذكرون أن طائراتهم الورقية كانت أول هزيمة لهيبتكم، وأول خيط في فك شوكة عسكرتكم.