الخميس - 27 اغسطس 2026
منذ 5 أيام
الخميس - 27 اغسطس 2026

د. حميد الطرفي ||

 

 

في كل خميس وأحياناً بين خميس وآخر ألتقي بصديقين أو أكثر من الذين رافقوني أيام المحنة وسنوات الجمر ، دردشة ، ذكريات ، تحليل ، متابعة ، كل ذلك على نصف نفر من كباب أحد المطاعم الشعبية ( السيد أو محمد أو الميلاد، حار ومگسب ورخيص) لنتوادع بعدها على امل اللقاء بالخميس المقبل. هذا الاسبوع ونحن على وشك أن نغادر التحق بنا الصديق العزيز ماهر الحسني( ابن بطوطة العراق) ليشاركنا في شرب الشاي رافضاََ تناول أي شيء عداه( وهذا فضل منه لأن قلل الكلفة) ، وما هي إلا برهة حتى رن هاتفه الذي لا يهدأ ليخبرني بعدها باقتراح :
– ماذا تقول أن نذهب لرؤية ثلاثة أصدقاء مغتربين ورابع كان مغترباََ وعاد إلى العمارة وقد اجتمعوا في أحد البيوت في العباسية الشرقية داخل القطع ؟
– لا مانع ، قلت ذلك وأمَلي أن أُسَلي النفس بعد العشاء واستطلع أحوال العباد والبلاد التي هم فيها خاصة ونحن في خضم هذا الاضطراب الدولي والإقليمي والمحلي وهم من المحاربين القدامى .
استقبلنا صاحب الدار خارج الدار بأمتار وهو يهلل ويرحب ايما ترحيب كما يفعل كرام القوم من العرب حتى اذا دخلنا الدار وسلمنا على الباقين اختاروا لنا أماكن الجلوس فصرت قبالة هذه الصورة وأمعنتُ النظر :
هشام مهدي گله ، رحمن مهدي گله، مقداد مهدي گله،سعدي مهدي گله، يحيى مهدي گله وجميعهم استشهدوا في عام 1982 ليلحق بعدهم إثنين من الأخوة وأبيهم وفاةً عادية.
لا حول ولا فوة الا بالله ، ليتني لم أحضر، خمسة أشقاء تم إعدامهم جميعاً وفي نفس العام ، من هؤلاء ؟
– إنهم أصحاب هذه الدار التي تحولت الآن إلى حسينية .
– ما قصتهم ؟
– هؤلاء عراقيون من التبعة الايرانية تم تسفير الأب والأم وأخيهم الأكبر أما هؤلاء فقد اقتيدوا إلى سجن الأحكام الثقيلة ومنها إلى سجن نگرة السلمان وهناك تم تصفيتهم جميعاََ. زوج أختهم يسرد الحكاية وأنا في عالم آخر ، أعلم كيف كان حال أبي وأمي رحمهما الله وقد غُيّبَ عنهما واحد وأعدم الآخر ، أعلم كيف كان البكاء السري ديدنهما وكيف كان الهم شريكهما، فما بالك بمن قدم للمذبحة خمسةََ من الأبناء شباباََ بعمر الورد ؟ وبقيت أتساءل وأجيب مع نفسي:

– وما ذنبهم ؟
– عراقيون من أصل ايراني !!!
– حسناََ أسقطت عنهم الجنسية رغم انهم من مواليد كربلاء وقد قَدِم آباؤهم الى العراق قبل قرن أو أكثر من الزمان ، فلماذا تعتقلهم السلطة ومن ثم تعدمهم ؟ ألا يكفي أن تسفرهم إلى بلدهم إذا كانت تشك في ولائهم للنظام ؟
– لا لأنهم حينما يذهبون (ربما) يُجَنَدّون ضد البلد ؛
– فهل يجوز القصاص قبل الجناية ؟ هل أنت في قلوبهم ؟ هل تعلم بنوايا البشر وخفاياهم ؟ وإذا افترضنا أنهم جُنّدوا وقانلوا أفليس لديك جيش يقاتل على الحدود فيقتلهم أو يأسرهم ؟ ألا تفكر في امهم وأبيهم ؟
ألا تفكر في أخوتهم وذويهم؟ ودعنا من ذلك كله لماذا لم تسلم جثثهم بعد إعدامهم؟ إن لم يكن لأهلهم فإلى الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر ؟
وإذا تعذر ذلك فعلى الأقل تُعلِم ذويهم بكتاب رسمي تؤكد فيه اعدامهم وتسليم هذا الكتاب للجانب الايراني إن كنت تعدهم ايرانيين ؟ هل زرع هؤلاء عبوة ، هل فجروا مفخخة ؟ هل اغتالوا مسؤولاََ؟ هل انظموا إلى حزب مُجَرّم ؟
– كلا ، هؤلاء عراقيون يحملون الجنسية العراقية لكنهم يحملون شهادة الجنسية وقد كتب عليها ( تبعة ايرانية)، فقط هذا هو ذنبهم !!!!
لقد التفتَ إليَّ مضيّفنا ( زوج اختهم) وعبر التواصل الخفي انتبهت فاستأذنته لالتقاط صورة لهذا المشهد المريع وأتخيل ما جرى لهم من لحظة اعتقالهم إلى ساعة إعدامهم كم تجرعوا وكم لاقوا؟ كم تحسروا وكم تأوهوا وهم يتعرضون للكثير من التنكيل؛
كَعصبِ العيونِ وغلّ اليدينِ وضربِ السياطِ ونزعِ الجلود
وسفكِ الدماء ومنعِ الطعامِ ومنع الشرابِ ورضّ القيود
وركـلٍ وذلٍّ وسـبٍّ وشـتمٍ وقـولٍ بذيءٍ لطــاغٍ حقود
لم تتمكن امهم من تحمل هذا طويلاََ فقد ماتت كمداَ بعد اعتقالهم بقليل. الخزي والعار لكل طاغية مجرم قاتل ، والمجد والخلود للشهداء المظلومين وإنا لله وإنا إليه راجعون.