صمود اليمن وفرض المعادلة.. رسالة أصل العرب إلى معسكر العدوان..!
القاضــــــي/ حسين بن محمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ … فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً}
إن التاريخ البشري لم يكن يوماً مجرد تدوين للأحداث، وإنما هو سِجِلٌّ من العِبر والسُنَن الإلهية التي لا تتخلف؛ وأولى هذه السُنَن أن الظلم مرتعه وخيم، وأن البغي مهما استطال فلابد له من انكسار، قال تعالى: {وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً}. ولقد شهدت أرض اليمن المباركة—أصل العرب ومهد حضاراتهم—سنوات طوالاً من الاختبار والابتلاء، واجه فيها هذا الشعب الأبيّ أصنافاً من التحديات والمحن، فلم تزده النوائب إلا صلابة وتماسكاً وإصراراً على بناء ذواتهم واستعادة مكانتهم ومواجهة شتى أشكال الحصار والعدوان.
ولما كان الرجوع إلى الحق فضيلة، والاعتراف بالخطأ شجاعة، فإن الحكمة تقتضي أن ينظر من اعتدى على اليمن وحاصرها إلى الواقع ببعيد النظر ولا ينساق وراء مكابرة لا تورث إلا الدمار؛ فإن صيانة الدماء، وحفظ كرامة الشعوب، واستقرار المنطقة، أمورٌ لا تُقدَّر بمال ولا تُنال بالقوة الغاشمة.
سنن التاريخ وحتمية الانصاف
• تحوّل موازين القوى: إن الأيام دول، ومن ظن أن غلبة السلاح أو تحالف الظروف قد تدوم لأحد، فقد غفل عن أسباب سقوط الأمم والانكسار الحضاري وما توعد الله به.{وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ}.
• لقد أثبت الواقع أن الإرادة الشعبية في يمن الإيمان والحكمة المتجسدة في أنصار الله بقيادة قائد المسيرة القرآنية السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي -حفظه الله- المستمدة من الإيمان بالله، والمحاطة بقيم العدل قادرة على تطوير ذاتها والتحول بالتصدّي إلى فرض المعادلة.{وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
• خطورة الظلم واستحقاق الجزاء:
• إن الإصرار على الظلم والاستمرار فيه سبب للهلاك في الدنيا والآخرة
• جاء في محكم التنزيل: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِك لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. فالاستمرار في البغي والحصار يورث الشحناء ويُعجّل بزوال أسباب النعمة والتمكين. {وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ}
• الفطرة الإنسانية والكرامة: لقد فَطَر الله البشر على حب من أحسن إليهم وبغض من أساء إليهم. وإن استعادة جسور التواصل وجبر الأضرار لا تكون بتكرار ممارسات خاطئة، وإنما بإنصاف المظلوم وترميم ما أفسدته سنوات الصراع.
الدعوة إلى الرشد والسلم
إننا ومن باب النصح الصادق، والحرص على الأمة العربية والإسلامية وحقن دمائها، ندعو كل طرف أسهم في مظلمة هذا الشعب اليمني الذي شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان والحكمة ممن أوغل في صراع غير محسوب العواقب، إلى:
• الاستجابة لنداء العقل والحكمة: والمبادرة الفورية لمعالجة الاستحقاقات الإنسانية والسياسية والاحتكام إلى شريعة الله وعدله، وإنهاء كافة أشكال الحصار والاعتداء.
• الاعتراف بالمظالم وتعويض المتضررين: كخطوة أخلاقية شجاعة وركن أساسي لترميم الصدع وصيانة الآتي من الأيام.
• الفيئة إلى أمر الله والصلح العادل: فإن الصلح القائم على العدل والكرامة هو الطريق الوحيد لضمان أمن الجميع وسلامة بلدانهم، وقديماً قيل: “الرجوع إلى الحق خير من الإصرار على الباطل”.
نداء إلى العقل قبل أن تغلق أبواب الندم
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
إن التاريخ لا يحفظ للأمم مكانتها إذا تنكبت عن سنن الله، وإنما يحفظ لها ما أقامت من عدل، وما جنبت به شعوبها ويلات الحروب وآلامها. والحكمة تقتضي أن يكون الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن يكون السعي إلى إيقاف أسباب الصراع مقدماً على الإصرار الذي لا يجلب إلا مزيداً من الخسائر.
لقد مرت اليمن خلال السنوات الماضية بظروف قاسية تركت آثاراً إنسانية واقتصادية عميقة على شعبها، كما دفعت المنطقة بأسرها إلى حالة من التوتر وعدم الاستقرار. وكلما طال أمد النزاعات، اتسعت دائرة المعاناة، ولم يسلم من آثارها أحد، فالدم العربي واحد، والخراب إذا حل بأرض امتدت آثاره إلى جوارها.
ومن سنن الله في خلقه أن الظلم لا يدوم، وأن العدل أساس العمران، قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. كما قال عز وجل: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 52]. وهذه الآيات تذكير عام بأن عاقبة الظلم وخيمة، ودعوة إلى الاعتبار والإنصاف.
وما تزال الفرصة قائمة لأن تُفتح صفحة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل، والإنصاف، والسعي الجاد إلى إطفاء نار الفتنة، فإن في الصلح حياةً للشعوب، وفي العدل أمناً للأوطان، وفي التعاون على الخير قوةً للأمة كلها.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، و﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.



