الأحد - 26 يوليو 2026

الحروب المقبلة: من يملك الخوارزمية يملك المعركة..قراءة استشرافية في مستقبل الحروب في عصر الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 26 يوليو 2026

أحمد فيصل العسكري ||

 

 

 

قد لا تبدأ الحروب المقبلة بصافرات الإنذار، ولا بأسراب الطائرات المقاتلة، ولا بوابل من الصواريخ، ولا بقصف مدفعي مفاجئ، بل بعطل غامض يشل شبكة كهرباء، أو بانقطاع شامل للاتصالات، أو بتوقف أنظمة الملاحة، أو بأسراب من الدرونات الذكية تتحرك كأنها عقل واحد، عندها سيدرك العالم أن الحروب دخلت عصراً جديداً، وأن القوة لم تعد تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات أو حاملات الطائرات، بل بقدرة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي على إدارة ساحة المعركة، والسيطرة على الفضاء الإلكتروني قبل فرض السيطرة على الأرض.

لا أدّعي في هذا المقال أن هذا المشهد سيصبح حقيقة حتمية، لكنه يستند إلى مسار متسارع من التطور العلمي والتقني الذي يشهده العالم اليوم، إذ تتغير طبيعة الحروب مع كل قفزة علمية كبرى، وتعيد التكنولوجيا في كل مرحلة رسم موازين القوة، وابتكار أدوات جديدة للصراع، حتى أصبحت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي مرشحين لإحداث أكبر تحول عسكري منذ ظهور البارود.

لقد ارتبط تاريخ البشرية بتاريخ الحروب، وكان كل عصر يترك بصمته على طبيعة القتال، فمن السيوف والرماح والأقواس، إلى اكتشاف البارود الذي غيّر وجه المعارك، ثم جاءت الثورة الصناعية لتمنح الجيوش أسلحة أكثر فتكاً، ومدفعية بعيدة المدى، وسفناً حربية، ودبابات، قبل أن يفتح الطيران العسكري آفاقاً جديدة للحرب، ثم دخل العالم عصر الصواريخ الباليستية والأسلحة بعيدة المدى، التي جعلت استهداف الخصم ممكناً من آلاف الكيلومترات.

ومع دخول العالم إلى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بدأت ملامح تحول جديد تتبلور في طبيعة القوة العسكرية، فلم يعد التفوق يُقاس بحجم الترسانات وعدد الأسلحة وحدهما، بل أصبح يعتمد أيضاً على امتلاك المعرفة، وتطوير التقنيات الرقمية، وتسخير الذكاء الاصطناعي في التخطيط والقيادة وإدارة العمليات العسكرية، وهو تحول يتسارع بوتيرة غير مسبوقة، وقد يعيد رسم مفهوم القوة خلال العقود المقبلة، كما فعل البارود والطيران والصواريخ في محطات مفصلية من تاريخ الحروب.

وفي هذا السياق، برزت الصواريخ بوصفها أحد أبرز أدوات الردع في العقود الأخيرة، حتى أصبحت عنصراً رئيسياً في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وقدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً واضحاً لهذا التحول، إذ جعلت من برنامجها الصاروخي ركيزة أساسية في عقيدتها العسكرية، واستثمرت فيه على مدى عقود، الأمر الذي منحها قدرة ردع كان لها أثر مباشر في تغيير كثير من الحسابات العسكرية والسياسية في المنطقة، وأثبت أن امتلاك التكنولوجيا المناسبة قد يكون أكثر تأثيراً من امتلاك جيوش ضخمة أو ترسانات تقليدية كبيرة.

غير أن مسار التطور العسكري لا يتوقف عند مرحلة بعينها، فكما أسهمت الصواريخ في إعادة تشكيل موازين القوى خلال العقود الماضية، قد يفتح الذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والمنظومات القتالية الذكية مرحلة جديدة، يصبح فيها التفوق مرتبطاً بامتلاك الخوارزمية القادرة على إدارة السلاح، أكثر من امتلاك السلاح نفسه.

لم تعد ميادين القتال تقتصر على البر والبحر والجو، ولا حتى على الفضاء الخارجي، بل امتدت إلى فضاء آخر لا تُرى حدوده بالعين المجردة، هو الفضاء الإلكتروني، حيث أصبحت شبكات الاتصالات، ومحطات الطاقة، والمصارف، والأقمار الصناعية، ومراكز القيادة والسيطرة، أهدافاً محتملة في أي مواجهة عسكرية، وأصبح تعطيلها في بعض الحالات قادراً على إحداث تأثير قد يوازي تأثير الضربات العسكرية التقليدية.

وقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في استخدام الهجمات الإلكترونية ضمن الصراعات الدولية، فلم تعد هذه الهجمات تقتصر على سرقة المعلومات أو اختراق المواقع الإلكترونية، بل أصبحت تستهدف البنى التحتية الحيوية، وتعطيل الخدمات الأساسية، وجمع المعلومات الاستخبارية، والتأثير في منظومات القيادة والسيطرة، الأمر الذي دفع كثيراً من الدول إلى اعتبار الفضاء الإلكتروني ميداناً عسكرياً قائماً بذاته، لا يقل أهمية عن ميادين القتال التقليدية.

وفي الحروب المقبلة، قد لا تكون الحرب الإلكترونية مجرد وسيلة مساندة للعمليات العسكرية، بل قد تتحول إلى المرحلة الأولى من أي مواجهة، فتبدأ المعركة بمحاولات شل شبكات الاتصالات، وتعطيل أنظمة الرادار، وإرباك منظومات الدفاع الجوي، والتشويش على الأقمار الصناعية، واختراق شبكات القيادة والسيطرة، قبل أن تتحرك أول دبابة، أو تقلع أول طائرة، أو يُطلق أول صاروخ.

ولعل الفضاء الخارجي سيكون هو الآخر جزءاً من معادلة الصراع في العقود المقبلة، إذ تعتمد الجيوش الحديثة بدرجة متزايدة على الأقمار الصناعية في الاتصالات، والملاحة، والاستطلاع، والإنذار المبكر، وتوجيه كثير من المنظومات العسكرية، الأمر الذي قد يجعلها أهدافاً ذات قيمة استراتيجية في أي مواجهة كبرى، وقد لا يقتصر التنافس على محاولة تعطيلها أو التشويش عليها، بل قد يمتد إلى السعي لاختراق أنظمتها أو التأثير في وظائفها، وربما السيطرة على بعضها لفترات محدودة، بما يتيح توظيفها ضد الطرف الآخر أو حرمانه من جزء من قدراته الفضائية.

وليس من المستبعد أن تفرز الحروب المقبلة مراكز قيادة فضائية تتولى إدارة الصراع خارج الغلاف الجوي، وتسعى إلى تعطيل الأقمار الصناعية المعادية، أو التأثير في وظائفها، أو فرض الهيمنة على أجزاء من البنية الفضائية، بحيث تصبح الأقمار الصناعية نفسها جزءاً من ميزان القوة، وكأنها جنود يدورون في مدارات الأرض، لكنهم يقاتلون بالخوارزميات والإشارات بدلاً من البنادق.

وفي مثل هذا المشهد، قد يصبح التفوق مرهوناً بسرعة اكتشاف الهجمات الإلكترونية واحتوائها، وبقدرة الأنظمة الذكية على تحليل ملايين البيانات في لحظات، واكتشاف الثغرات، والاستجابة لها بصورة شبه فورية، وهو ما يمنح الذكاء الاصطناعي دوراً يتجاوز كونه أداة مساعدة، ليصبح عنصراً أساسياً في حماية الجبهة الرقمية وإدارة المعركة الإلكترونية.

وإذا كانت الحروب التقليدية تستنزف الذخائر والوقود، فإن الحروب الإلكترونية تستنزف البيانات، والقدرات الحاسوبية، والخبرات التقنية، وهو تحول يعكس انتقال الصراع تدريجياً من ساحات النار والدخان إلى ساحات الشيفرات والخوارزميات، حيث قد تُحسم بعض المعارك قبل أن يسمع العالم أول صوت للمدافع.

وفي موازاة ذلك، تتقدم الطائرات المسيّرة بخطى متسارعة نحو أداء أدوار تتجاوز الاستطلاع أو تنفيذ الضربات المحدودة، إذ يشير مسار التطور التقني إلى إمكانية ظهور أسراب كبيرة من الدرونات الذكية القادرة على التنسيق فيما بينها ذاتياً، وتقاسم المهام، وتغيير مساراتها أثناء القتال، والتكيف مع المتغيرات الميدانية من دون انتظار أوامر مباشرة من الإنسان، وكأنها تتحرك بعقل واحد يدير عملياتها في ساحة المعركة.

وفي مثل هذه البيئات القتالية، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى العنصر المسؤول عن اختيار الأهداف، وترتيب أولوياتها، وتوزيع المهام بين المنصات القتالية المختلفة، بما يحقق أعلى درجات الكفاءة والدقة، الأمر الذي قد ينقل الحروب من مرحلة الاعتماد على كثافة النيران إلى مرحلة تعتمد على الضربات الذكية الدقيقة، حيث تصبح المعلومة الصحيحة والقرار الأسرع أكثر حسماً من كمية الذخائر المستخدمة.

ومع ازدياد اعتماد الجيوش على هذه الأنظمة، قد لا تبقى الخوارزمية مجرد برنامج داخل الحاسوب، بل قد تتحول إلى شريك في صناعة القرار العسكري، يعالج كماً هائلاً من المعلومات الواردة من الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، والرادارات، وأجهزة الاستشعار، ثم يقدم للقادة العسكريين بدائل متعددة في زمن قد لا يتجاوز ثوانٍ معدودة، وهو تحول قد يعيد تعريف مفهوم القيادة العسكرية كما عرفته الجيوش عبر التاريخ.

وقد يصبح القائد العسكري في المستقبل أقرب إلى مدير لمنظومة ذكية، يراقب قراراتها ويصادق على خياراتها، بينما تتولى الخوارزميات إدارة تفاصيل المعركة، وتحليل المتغيرات، وتقدير احتمالات النجاح والإخفاق، وتحديث الخطط بصورة متواصلة، الأمر الذي قد يجعل سرعة الحسم مرتبطة بسرعة المعالجة الرقمية أكثر من ارتباطها بسرعة حركة القوات على الأرض.

وفي المقابل، لن يختفي الإنسان من ساحة الحرب، لكنه قد يؤدي دوراً مختلفاً، فالجندي الذي كان يعتمد في الماضي على قوته البدنية ومهاراته القتالية التقليدية، قد يصبح مسؤولاً عن تشغيل الأنظمة الذكية، وإدارة المنصات غير المأهولة، والتعامل مع كميات هائلة من البيانات، بينما تتولى الآلات تنفيذ جانب متزايد من المهام القتالية الأكثر خطورة.

ومع ذلك، سيظل القرار النهائي باستخدام القوة، وما يترتب عليه من مسؤوليات قانونية وأخلاقية وسياسية، مرتبطاً بالإنسان، لأن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع أن تحل محل المسؤولية الإنسانية الكاملة عن قرار الحرب أو السلام، وهو ما يجعل العلاقة بين الإنسان والآلة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الحروب المقبلة.

وإذا كانت الحروب التقليدية تدور حول السيطرة على الأرض، فإن حروب المستقبل قد تدور حول السيطرة على البيانات، إذ أصبحت المعلومات تمثل الوقود الحقيقي لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وكلما امتلكت دولة بيانات أكثر دقة، ازدادت قدرتها على بناء نماذج أكثر كفاءة، واتخاذ قرارات أسرع، وتحقيق تفوق عسكري أكبر.

ولهذا، قد تتحول حماية البيانات العسكرية، وتأمين شبكات الاتصالات، وحفظ قواعد المعلومات، إلى أولوية لا تقل أهمية عن حماية الحدود أو القواعد العسكرية، لأن فقدان البيانات أو التلاعب بها قد يؤدي إلى نتائج لا تقل خطورة عن تدمير منظومات السلاح نفسها.

ومن هنا، قد ينتقل سباق التسلح العالمي إلى مرحلة مختلفة، لا يكون التنافس فيها على إنتاج المزيد من الدبابات أو الطائرات أو الصواريخ فحسب، بل على تطوير الخوارزميات، وتصميم الرقائق الإلكترونية المتقدمة، وبناء الحواسيب العملاقة، وتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في الجامعات، ومراكز البحث العلمي، والشركات التقنية، لأن هذه المؤسسات قد تصبح المصانع الحقيقية للقوة العسكرية في المستقبل.

وقد يشهد العالم خلال العقود المقبلة بروز دول لم تكن تُعد في الماضي من القوى العسكرية التقليدية، لكنها تمتلك تفوقاً في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة، والأمن السيبراني، والتقنيات الرقمية، بما يمنحها تأثيراً يتجاوز حجمها الجغرافي أو قدراتها العسكرية التقليدية، ويعيد رسم موازين القوى الدولية على أسس مختلفة.

وفي المقابل، قد تجد بعض الدول التي تمتلك ترسانات ضخمة نفسها أمام تحديات جديدة إذا لم تواكب هذا التحول، لأن امتلاك أحدث الأسلحة قد لا يكون كافياً إذا كانت منظوماتها الرقمية أقل تطوراً، أو إذا أصبحت عرضة للاختراق والتشويش والتعطيل، وهو ما قد يعيد تعريف مفهوم الردع في القرن الحادي والعشرين.

وربما لن يكون السؤال الأهم في المستقبل: كم تمتلك الدولة من الدبابات أو الطائرات أو الصواريخ؟ بل كم تمتلك من العلماء، والمهندسين، ومراكز الأبحاث، والقدرات الحاسوبية، والخوارزميات القادرة على حماية منظوماتها، وإدارة معاركها، وتحليل بياناتها في الزمن الحقيقي، لأن القوة العسكرية قد تبدأ من المختبر قبل أن تصل إلى ساحة القتال.

ولا أدّعي أن هذا هو المستقبل المحتوم، فالتاريخ كثيراً ما فاجأ البشرية بتحولات لم تكن في الحسبان، لكن المؤكد أن مسار التطور العلمي والتقني يتسارع بصورة غير مسبوقة، وأن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من التفكير العسكري في كثير من دول العالم، وهو ما يجعل استشراف تأثيره في الحروب المقبلة أمراً يستحق التأمل.

لقد غيّر البارود شكل المعارك، وغيّرت الثورة الصناعية أدوات الحرب، وأعاد الطيران رسم ساحات القتال، ثم جاءت الصواريخ لتفرض معادلات جديدة للردع، وربما تقف البشرية اليوم على أعتاب تحول آخر، قد تصبح فيه الخوارزميات، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، عناصر لا تقل أهمية عن الجندي والسلاح.

ولعل الحرب المقبلة، إن فرضت نفسها، قد لا تبدأ بقصف مدينة أو اجتياح حدود، بل بشيفرة خبيثة، أو بانقطاع شبكة اتصالات، أو بتعطل قمر صناعي، أو بسرب من الدرونات الذكية، وعندها قد يدرك العالم أن مفهوم القوة قد تغيّر مرة أخرى، وأن من يملك الخوارزمية، قد يملك المعركة.