خِدمةُ الحسين… جهادٌ تصنعهُ النيّات..!
كوثر العزاوي ||

جاء في قوله عزَّ وَجلّ في سورة التوبة: الآية- ٩١-٩٢-
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلهِ وَرَسُولِهِ
مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.* وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.
وأنا أتلو هذه الآيات، استوقفتني الآية الثانية، إذ رسمت مشهدًا إيمانيًا يهزّ الوجدان، لم يَبكِ أولئك المؤمنون لأنهم حُرموا من غنيمة، ولم تُفض أعينهم طمعًا في متاع الدنيا، وإنما بكوا لأنهم حُرموا من شرف المشاركة في الجهاد. كانت قلوبهم في الميدان وإن غابت أجسادهم، وكانت نياتهم صادقة وإن قصرت إمكاناتهم.
ومن هنا انتقل فكري إلى ميدانٍ آخر من ميادين البذل، هو ميدان خدمة الإمام الحسين (عليه السلام). فكم من قلبٍ يهفو إلى أن يكون في صفوف الخدّام، وكم من عينٍ اغرورقت بالدمع لأنها عجزت عن تقديم شيءٍ لزائري أبي عبد الله الحسين، وكم من مؤمنٍ منعهُ العذر من المسير إلى كربلاء، لكن روحه سبقت إليه، وقلبه أقام عنده.
إنّ هذا الشوق ليس مجرد شعور وجدانيّ عابر، إنما هو لونٌ من ألوان الجهاد، لأن الجهاد يبدأ من صدق الانتماء، ثم يترجم نفسه إلى بذلٍ وعطاءٍ متى ما سنحت الفرصة. ومَن صدَقت نيته، كتب الله له من الأجر ما يبلغه منازل العاملين، وإن أقعده العذر عن العمل.
ولذلك فليست قيمة خادم الحسين بما يملك من مال، ولا بما يقدّم من إمكانات، وإنما بما يحمله قلبه من إخلاص، وما يعتصره من ألم إذا حالت الظروف بينه وبين خدمة زوار الحسين، أو المشاركة في شعائره.
فكم من إنسانٍ لا يستطيع أن يقيم موكبًا للعزاء، أو يطعم زائرًا، أو يسير إلى كربلاء، لكنه يعيش حسرة الحرمان، ويرجو من الله أن يرزقه شرف هذه الخدمة.
فتلك الحرقة الصادقة، وذلك الشوق الممزوج بالدموع، من أعظم صور الولاء، وحقيقة الانتماء، لأن الله ينظر إلى صفاء القلوب قبل كثرة الأعمال، وإلى صدق النيات قبل وافر العطاء.
لذا، فإنّ خدمة الحسين (عليه السلام) ليست مجرد عملٍ اجتماعي، اعتادها اصحابها كل عام، بل هي جهادٌ في حفظ المبادئ التي استشهد من أجلها سيد الشهداء، وجهادٌ في إحياء أمره، ونشر رسالته، وتثبيت نهجه، من خلال خدمة زوّاره ومحبّيه القادمين من كلّ بلدان العالم.
وكما اقترنت منزلة المجاهد في الآية بإخلاص نيّته، فإنّ منزلة خادم الحسين تقترن أيضًا بصدق إخلاصه، سواء كثرت إمكاناته أم قلّت.
فلنحرص على أن تكون لنا عيون تفيض دمعًا بحبّ الحسين، وقلوبٌ تهيم شوقًا إلى خدمته إذا عجزت الأيدي، وحالت الأعذار دون المشاركة، فإنّ الله لا يضيع أجر من صدقت نيته، وقد يجعل لصادق الشوق من الأجر ما يجعله في عداد العاملين.
وهكذا يعلّمنا القرآن أنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يُضمره قلبه من إخلاص، وما يحمله من روحٍ مؤمنة تتطلع إلى الطاعة.
لذلك أثنى القرآن على أولئك الفقراء الذين لم يملكوا زاد الجهاد، لكنهم ملكوا صدق الإيمان، حتى ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.
وما أشبه أولئك بمَن يحترق قلبه اليوم لأنه حُرم من شرف خدمة الحسين (عليه السلام)، فربَّ دمعةٍ صادقةٍ رفعت صاحبها إلى منزلة الخادمين، وربَّ نيةٍ خالصةٍ كتب الله بها أجر مَن بذَلَ وسَعى.
السلام عليك يا أبا عبدالله.
١١-صفر -١٤٤٨هـ
٢٦-تموز- ٢٠٢٦م



