الأحد - 26 يوليو 2026
منذ 15 ساعة
الأحد - 26 يوليو 2026

كندي الزهيري ||

 

 

في كل صباح، هناك مدينةٌ تستيقظ… وأرواحٌ تُساق. وجوهٌ تمشي، لكنها لا تنظر. تتكلم، لكنها لا تقول شيئًا. تبتسم أحيانًا، لكن ابتسامتها تشبه الإعلان التجاري أكثر مما تشبه الفرح. وكأن الإنسان لم يعد يعيش حياته، بل يؤدي دورًا كُتب له مسبقًا.

في تلك اللحظات، يكون السؤال: لماذا هذا الرجل عابس؟، ولماذا ذاك متكبر؟، ولماذا تلك المرأة غارقة في سباق المظاهر؟، هذه ليست أسئلة تستحق التوقف عندها طويلًا. السؤال الأكثر خطورة هو: من أغتال الإنسان قبل أن يصل إلى هذا الطريق؟.

فالإنسان لا يولد عاشقًا للمال، ولا متعطشًا للسلطة، ولا مهووسًا بالمظاهر. الطفل لا يعرف قيمة السيارة، ولا ماركة الثياب، ولا حجم الرصيد البنكي. يولد وهو يرى الإنسان إنسانًا، لا رقمًا في حساب، ولا لقبًا على بطاقة، ولا منصبًا على باب مكتب. ثم يبدأ الإغتيال؛ اغتيالٌ لا يتم برصاصة، بل بفكرة. فكرةٌ تقول له إن قيمتك تُشترى، وإن إحترام الناس لا يُكتسب بالأخلاق، بل بالنفوذ، وإن الإنسان الذي لا يملك كثيرًا… لا يساوي كثيرًا.

ومن هنا يبدأ الإنهيار. لم تعد المدارس تُعلِّم كيف يكون الإنسان صالحًا، بل كيف يكون منافسًا. ولم يعد الإعلام يسأل: «من هو الأكثر نزاهة؟»، بل: «من هو الأكثر شهرة؟».

ولم يعد الإقتصاد وسيلةً لتنظيم الحياة، بل أصبح معيارًا لتقييم الإنسان نفسه. حتى العلاقات الإنسانية أصابها منطق السوق. أصبحت الصداقة مصلحة، وأصبحت الكرامة صفقة. وأصبح الإنسان نفسه مشروعًا لتسويق صورته، لا لبناء روحه. لقد نجحت الحضارة في اختراع كل شيء… إلا إنسانٍ أكثر إنسانية.

صنعنا آلاتٍ تفكر، لكننا عجزنا عن تربية بشرٍ يشعرون. شيّدنا ناطحات سحاب، لكننا هدمنا الجسور التي كانت تصل قلبًا بقلب. وأصبح الإنسان، وهو يملك وسائل اتصالٍ لا تُحصى، أكثر وحدةً من أي وقتٍ مضى.

إن أخطر ما حدث ليس أن العالم أصبح ماديًا، بل أن المادة تحولت من وسيلةٍ للحياة إلى غايةٍ للحياة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الإنسان يبيع أجزاءً من نفسه دون أن يشعر؛ يبيع وقته من أجل المال، ثم يبيع مبادئه من أجل المنصب، ثم يبيع ضميره من أجل النفوذ، ثم يكتشف، بعد سنوات، أنه باع نفسه كلها… ولم يشترِ السعادة، ولذلك، عندما ينظر إلى الناس، لا يغضب منهم بقدر ما يحزن عليهم. لأننا لا نرى متكبرًا فقط، بل نرى إنسانًا أقنعوه بأن الكرامة تُقاس بما يملك. ولا نرى متفاخرًا فقط، بل نرى روحًا تخاف أن تُنسى إن لم تُحِط نفسها بالمظاهر. ولا نرى عابسًا فقط، بل نرى قلبًا أنهكته معارك لم يخترها. لكن ذلك لا يعفي الإنسان من مسؤوليته. فالحرية لا تُنتزع كاملة، بل تُترك قطعةً بعد قطعة.

وفي كل مرةٍ يساوم فيها الإنسان على قيمةٍ من قيمه، يقترب خطوةً من أن يصبح غريبًا عن نفسه. لهذا لم يعد السؤال: لماذا تغيّر الناس؟

بل: كيف استطاع العالم أن يقنع الإنسان بأن يفقد فطرته، ثم يسمي ذلك تقدمًا؟. ربما لم تُهزم الإنسانية في حربٍ واحدة، بل هُزمت في آلاف التنازلات الصغيرة التي قبلها الإنسان بإسم الواقعية، والنجاح، والتطور، والضرورة. وحين يصبح الضمير عبئًا، والصدق سذاجة، والرحمة ضعفًا، والتواضع خسارة…

فلا تسأل لماذا امتلأت الطرق بالوجوه العابسة، بل اسأل: كم بقي في هذا العالم من إنسان، قبل أن يتحول الجميع إلى مجرد أدوات داخل آلةٍ ضخمة لا تعرف سوى الإنتاج، والاستهلاك، والمنافسة؟.

إن مأساة عصرنا ليست أن الإنسان أصبح فقيرًا، ولا أنه أصبح ضعيفًا؛ مأساة عصرنا أن الإنسان أصبح يجهل نفسه. ومن يجهل نفسه… يسهل على أي قوة، أو فكرة، أو سلطة، أو سوق، أن تعيد تشكيله كما تشاء.

كندي الزهيري…