العراق.. تاريخٌ من التعدد وذاكرةٌ من التعايش..!
أحمد العسكري ||

منذ أن خطّ السومريون أولى حروف الكتابة على ألواح الطين في جنوب بلاد الرافدين، وشيّد الأكديون والبابليون والآشوريون دولهم على ضفاف دجلة والفرات، تشكل العراق بوصفه أكثر من مجرد أرض أو كيان سياسي؛ فقد كان فضاءً حضارياً مفتوحاً تتلاقى فيه الشعوب والثقافات والأديان، وتتعاقب عليه الأمم دون أن تفقده تنوعه أو تنجح في اقتلاع هويته الجامعة، وعلى مدى آلاف السنين، لم تكن قوة العراق في تجانسه، بل في قدرته الاستثنائية على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى جزء من نسيجه الاجتماعي والثقافي.
في العصور الإسلامية الأولى، أصبح العراق مركزاً سياسياً وفكرياً مهماً في العالم الإسلامي، واحتلت بغداد مكانة فريدة باعتبارها واحدة من أعظم مدن العالم آنذاك، وبينما تختلف المواقف التاريخية من سياسات بعض الدول والحكام الذين تعاقبوا على حكمها، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن بغداد تحولت إلى قبلة للعلماء والمفكرين والأدباء والمترجمين من مختلف الأديان والأعراق والقوميات، فأسهم المسلمون والمسيحيون والصابئة والشبك وغيرهم في حركة علمية وفكرية تركت أثراً عميقاً في مسيرة الحضارة الإنسانية.
لكن تاريخ العراق لم يكن مسيرة هادئة ومستقرة، فقد تعرضت بغداد وبلاد الرافدين لسلسلة طويلة من الغزوات والصراعات التي كان من شأنها أن تمحو هوية أي مجتمع آخر، فمن الغزو المغولي الذي أثر على بغداد في القرن الثالث عشر، إلى الصراعات التي شهدتها المنطقة في عصور الدول التركمانية المختلفة، مروراً بالنفوذ السلجوقي، ثم الحكم العثماني الذي امتد قروناً طويلة، وصولاً إلى الاحتلال البريطاني في مطلع القرن العشرين وما أعقبه من تحولات سياسية واجتماعية كبرى، ظل العراق ساحة للتجاذبات الإقليمية والدولية.
رغم قسوة تلك الأحداث، فإنها أسهمت بصورة أو بأخرى في تشكيل الفسيفساء العراقية المعاصرة، فقد تعاقبت على هذه الأرض جماعات بشرية متعددة، واستقرت فيها أقوام مختلفة، واندمجت ثقافات متنوعة داخل المجتمع العراقي، ومع مرور الزمن، لم تعد هذه المكونات مجرد جماعات متجاورة، بل أصبحت أجزاءً متداخلة من هوية وطنية واحدة تشترك في التاريخ والجغرافيا والمصير.
ولهذا ظل العراق موطناً للعرب والكرد والتركمان والكرد الفيليين والكلدان والآشوريين والسريان والأرمن وغيرهم من المكونات القومية، كما احتضن المسلمين بمذاهبهم المختلفة، والمسيحيين بمختلف كنائسهم، والصابئة المندائيين الذين يُعدّون من أقدم سكان وادي الرافدين، فضلاً عن الإيزيديين وسائر المكونات الدينية الأصيلة، وقد عاش هؤلاء جميعاً قروناً طويلة في مدن العراق وقراه وأسواقه، يتشاركون الأفراح والأحزان والعمل اليومي، ويصنعون معاً تفاصيل الحياة العراقية.
ولم يكن التعايش في العراق مجرد نصوص قانونية أو شعارات سياسية، بل كان جزءاً من الحياة اليومية، ففي الأسواق الشعبية، كانت التجارة تجمع أبناء مختلف المكونات تحت سقف واحد، وفي الأحياء السكنية، كان الجار يُعرف بأخلاقه ومروءته قبل أن يُعرف بانتمائه الديني أو القومي، وفي المناسبات الاجتماعية والدينية، كانت أبواب البيوت تُفتح للجميع، وتنتقل أطباق الطعام بين الجيران دون أن تُسأل عن هوية صاحبها أو متلقيها.
وقد كشفت الأزمات الكبرى التي مر بها العراق عن عمق هذه الروابط الاجتماعية، فعندما تعرضت مدن عراقية لموجات النزوح أو الكوارث أو الإرهاب، هبّ العراقيون بمختلف انتماءاتهم لإغاثة بعضهم البعض، وفتحت المساجد والحسينيات والكنائس والمضايف والدواوين والبيوت أبوابها لاستقبال المحتاجين، في مشهد جسّد حقيقة أن الروابط الإنسانية والوطنية كانت دائماً أقوى من محاولات بث الفرقة والكراهية.
وتبقى بغداد التعبير الأكثر وضوحاً عن هذه الروح العراقية الجامعة، فهذه المدينة التي عاشت الغزو والحصار والحروب والاحتلالات المتعاقبة، لم تفقد قدرتها على احتضان الجميع، ففي أحيائها القديمة والحديثة، وفي أسواقها ومقاهيها ودواوينها، ما زالت تتجسد صورة العراق المتعدد الذي يتعايش فيه الناس على أساس الجيرة والمصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وما زال “الماعون” المتبادل بين الجيران، و”الفزعة” عند الشدائد، و”الديوان” الذي يجمع المختلفين حول چاي العصر والحوار، تمثل مؤسسات اجتماعية غير مكتوبة حافظت على تماسك المجتمع أكثر مما فعلت كثير من القوانين والأنظمة.
إن التعايش في العراق ليس حدثاً عابراً ولا مرحلة مؤقتة في تاريخه، بل هو نتاج مسيرة حضارية طويلة بدأت مع أولى المدن التي قامت على ضفاف دجلة والفرات، واستمرت رغم الغزوات والانقسامات والصراعات، ولعل أعظم ما يميز العراقيين أنهم، على اختلاف أديانهم وأعراقهم ومذاهبهم، ظلوا قادرين على إعادة اكتشاف المشترك بينهم كلما حاولت الظروف أن تفرقهم.
ولهذا فإن مستقبل العراق لا يُبنى على تجاهل تنوعه، بل على الاعتزاز به، بوصفه ثروة حضارية وإنسانية تراكمت عبر آلاف السنين، فكما نجت بلاد الرافدين من عواصف التاريخ المتلاحقة، يبقى التعايش بين أبنائها هو الضمانة الحقيقية لاستمرارها وطناً يتسع للجميع، ويستمد قوته من تنوعه، ويصنع وحدته من اختلاف مكوناته.




