الثلاثاء - 30 يونيو 2026
منذ شهر واحد
الثلاثاء - 30 يونيو 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

 

في 22 تموز/يوليو 2006 نشرتُ في جريدة الصباح مقالاً بعنوان «مبدأ التوافق».

كان العراق آنذاك في بدايات تجربته السياسية الجديدة، وكانت فكرة التوافق تحظى بقبول واسع بوصفها وسيلة لتجاوز الانقسامات وتخفيف التوترات وبناء الثقة بين المكونات السياسية.

يومها لم يكن أحد يعرف على وجه الدقة إلى أين ستقود هذه الفكرة، لكن بعض المؤشرات كانت تدعو إلى القلق والتحفظ.

في ذلك المقال فرّقت بين التوافق بوصفه قيمة وطنية إيجابية وبين التوافق بوصفه آلية دائمة لإدارة الدولة.

فالتوافق في القضايا الوطنية الكبرى قد يكون ضرورياً للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى قاعدة عامة تحكم تشكيل المؤسسات وإدارة السلطة وتوزيع المناصب واتخاذ القرارات.

وقد أشرت يومها إلى أن الدولة الحديثة تحتاج إلى الكفاءة والاختصاص والسرعة في الإنجاز بقدر ما تحتاج إلى التفاهم السياسي، وأن الإفراط في التوافق قد يؤدي إلى شلل المؤسسات وتعطيل قدرتها على العمل.

بعد عشرين عاماً يمكن القول إن التجربة العراقية قدمت اختباراً عملياً واسعاً لهذه الفكرة.

فما بدأ بوصفه توافقاً سياسياً مؤقتاً تحول تدريجياً إلى نظام متكامل للمحاصصة التوافقية.

وأصبحت الحكومات تُبنى على أساس إشراك الجميع بدلاً من التنافس بينهم، وتحولت الانتخابات في كثير من الأحيان إلى وسيلة لإعادة توزيع الحصص لا إلى وسيلة لحسم التنافس الديمقراطي.

وبدلاً من وجود أغلبية تحكم ومعارضة تراقب وتحاسب، نشأت حكومات ائتلافية واسعة تضم معظم القوى الفاعلة، الأمر الذي أضعف المعارضة وأضعف معها المساءلة السياسية.

ولعل أخطر ما أنتجه هذا المسار هو تآكل المضمون الحقيقي للديمقراطية.

فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات دورية، بل هي أيضاً إمكانية تداول السلطة، ووضوح المسؤولية، وقدرة الناخب على معرفة الجهة التي تحكم والجهة التي تعارض.

أما عندما يصبح الجميع شركاء في السلطة، فإن المسؤولية تضيع بين الجميع، وتصبح المحاسبة أكثر صعوبة، ويتحول النظام السياسي إلى ما يشبه إدارة جماعية للأزمة بدلاً من كونه نظاماً لإنتاج الحلول.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن التوافق يمكن أن يكون علاجاً مؤقتاً في الظروف الاستثنائية، لكنه لا يصلح لأن يكون فلسفة دائمة للحكم.

فالدول لا تُدار بالتوافق المستمر، بل بالقواعد الدستورية الواضحة، والانتخابات الحرة، والأغلبية السياسية، والمعارضة الفاعلة، والتداول السلمي للسلطة.

وهذه ليست أفكاراً نظرية مجردة، بل هي الشروط العملية التي أثبتت التجارب الديمقراطية نجاحها في بناء دول مستقرة وقادرة على التطور.

إن مراجعة تجربة العقدين الماضيين لا ينبغي أن تكون مناسبة لتبادل الاتهامات أو استحضار أخطاء الماضي فحسب، بل فرصة لإعادة التفكير في الأسس التي قام عليها النظام السياسي.

فالعراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التوافقات التي تؤجل المشكلات، بل إلى إصلاحات تعالج جذورها. ولا يحتاج إلى توسيع دائرة المحاصصة، بل إلى توسيع دائرة المواطنة والكفاءة والمساءلة.

وعندما أعود اليوم إلى مقال «مبدأ التوافق» بعد عشرين عاماً، لا أجد فيه نبوءة سياسية بقدر ما أجد سؤالاً ما زال مطروحاً حتى الآن: كيف نبني دولة حديثة قادرة على العمل والإنجاز في مجتمع متنوع؟ لقد جُرّب طريق المحاصصة التوافقية طويلاً، وأصبحت نتائجه معروفة.

وربما حان الوقت للانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الديمقراطية الحقيقية، حيث تحكم الأغلبية السياسية وفق الدستور، وتعارض الأقلية السياسية بحرية، ويتنافس الجميع على خدمة المواطنين لا على اقتسام السلطة.

إن الدرس الأهم الذي تعلمناه خلال عشرين عاماً هو أن التوافق قد يساعد على تأسيس النظام السياسي، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني الدولة.

فبناء الدولة يحتاج إلى ما هو أكثر من التوافق؛ يحتاج إلى مؤسسات قوية، وقواعد ديمقراطية سليمة، وإرادة إصلاح حقيقية، ورؤية وطنية تتجاوز منطق الحصص إلى منطق المصلحة العامة.