من ساحات الكرة لسوح الوغى الشهيد محمد راهي محنف الشمري..!
انتصار الماهود ||

حين تنشأ في حي شعبي من أحياء بغداد الجميلة، ستكبر بشكل مختلف عن الاخرين فالطيبه والدفء لا تراها مرسومة إلا هناك، في الوجوه التي تعيش في تلك الأحياء رغم بساطة الحياة، إلا أن الناس كالدرر المخبوءة لا تظهر لك إلا إذا بحثت عنها ومنهم فتانا (محمد)، الذي كان يعشق الحياة والدراسة والرياضة وكان يمتلك موهبة وشغفاً لا ينطفئ لكرة القدم،
كل من عرفه كان يتوسّم بأنه سيكون من نجوم المستقبل وهو كان يرى نفسه كذلك، منذ أيامه الأولى التي كان يلعب فيها في الأزقة والدرابين العتيقة، وحتى يوم تخلى عن حلمه ليحمل السلاح ويدافع عن وطنه، واختار أن يركض الى ساحات القتال بدلاً من ساحات كرة القدم، لبى نداء المرجعية وصوت الوطن بدلاً من صفارة الحكم في الملاعب التي كان يعشقها.
ولد الشهيد السعيد محمد راهي محنف الشمري في منطقة ابو دشير في بغداد عام 1994، نشأ في أسرة كبيرة ضمت سبعة إخوة وابوان ربيا أولادهم على المحبة والاحترام والتمسك بالدين والعقيدة، منذ صغره أحب كرة القدم وكان يسابق الاصدقاء في ساحات اللعب في منطقته، متميز عن أقرانه بكل شيء في دراسته وفي موهبته،
كان حلمه بأن يدخل أحد النوادي المعروفة ليصقل تلك الموهبة ويكون اسماً لامعاً في سماء لعبة كرة القدم، لكن هذا الفتى رمى أحلامه مبكراً خلف ظهره من أجل أن يساعد في إعالة عائلته الكبيرة لتخفيف الأعباء عن والده، وانخرط وهو صغير في سوق العمل وكان فعلاً أهل للاعتماد عليه، رجل رغم صغر سنه اعتاد محمد يزرع الإبتسامة والاطمئنان ويمد يد المساعدة للجميع.
حينما احتاج الوطن لرجاله ليدفعوا عنه خطر الإرهاب الداعشي، اندفع الفتى ذو ال19 عاماً ليلبي نداء المرجعية في الدفاع عن وطنه، وانضم لصفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق في عام 2013،
خاض محمد معارك شرسة بمعية اخوته المجاهدين في مناطق كثير ، (الفلوجة والسكران وابو غريب و الطارمية)، مدافعاً ثابتاً مؤمناً لا يعرف الخوف الطريق الى قلبه لا يملك سوى سلاحه ودعائه بالنصر أو أن يرزقه الله تعالى بالشهادة.
في الثاني من حزيران عام 2014، حينما كان محمد يخوض معركة ضد داعش الإرهابي في قاطع اليوسفية، لم يكن تواجده هناك مجرد مقاتل، بل كان درعاً بشرياً يدافع عن وطنه ويتقدم اخوته بشجاعة، وكأنه يقدم ذلك الجسد قرباناً عاجلاً كي يتقبله الله تعالى منه بأحسن القبول، قاتل بقوة حتى آخر لحظات حياته وارتقى شهيداً لترتفع نجمة أخرى لسماء الشهداء وتزيدها ضياءً ونوراً.
انتهت حياة الفتى ذو ال20 ربيعاً، لم يكن له أبناء يحملون اسمه ولم يكن له منصب كبير لكن فعله وشجاعته كانت أكبر من كل شيء دنيوي ومادي زائل، رحل محمد وترك لنا قصته العظيمة التي نخلدها بسطورنا المتواضعة، قصة شاب تحول حلمه من نجومية كرة القدم الى الشهادة والخلود، ليخط لنا بدمه أعظم فصول البطولة التي غلبت كل المباريات التي تمنى أن يخوضها، وها هو قد سجل هدفا في مرمى الإرهاب ليفوز عليه بالشهادة.
فسلام على من زهد في حب الدنيا واختار طريق الفخر والمجد والعز.



