اثنا عشر يومًا.. تهوي فيها الهيبة وتعلو الراية..!
صلاح الزبيدي ||

انتهت الحرب التي لم يشكّ الإيرانيون في قدومها، ولم يتخيّل الإسرائيليون وقعها. اثنا عشر يومًا من النار، لم تشتعل فيها الجبهات فقط، بل احترق فيها ما تبقى من أوهام “التفوق الإسرائيلي” و”الحماية الأمريكية”.
لم تكن الحرب بين دولتين، بل بين مشروعين. مشروع يريد للمنطقة أن تُدار من واشنطن وتُحرّك من تل أبيب، ومشروع آخر قرّر أن الشرق الأوسط لا يُحكم إلا من أبنائه، من طهران إلى غزة.
منذ اليوم الأول، لم تقاتل الجمهورية الاسلامية إلايرانية بالطريقة التي أرادها العدو. لم تدخل في مواجهة كلاسيكية، ولم تُراهن على ضربة سريعة ثم تفاوض. اختارت طريقًا مختلفًا
استنزاف ثم انهيار ثم ضرب العمق.
لم تكن حيفا أو تل أبيب فقط في مرمى النيران، بل كانت مراكز القرار، والبنى التحتية، والمطارات، والمرافئ.
كل ذلك جرى عبر معادلة دقيقة تنسيق كامل مع جبهات المقاومة، استخدام محسوب للقوة، وضبط إيقاع التصعيد.
أثبت الإيرانيون أنهم لا يقاتلون بردة فعل، بل بخطة. وأنهم لا يردّون، بل يفرضون.
كان يمكن لإسرائيل أن تمتصّ الضربة الأولى، لكنها لم تكن مستعدة لمواجهة مفتوحة بهذا الحجم. انهارت ثقة الشارع في الجيش، وظهر الارتباك في كل شيء ،في قرارات الحرب، وفي إدارة الإعلام، وحتى في طلب الوساطات.
ولأول مرة، بدت المؤسسة الأمنية – التي طالما فاخر بها العدو – وكأنها في حالة صدمة. الصواريخ الإيرانية لم تخترق فقط سماء الكيان، بل كسرت الهيبة التي ظلّت لعقود تُخيف بها العرب.
أما القبة الحديدية، فقد بدت كمجرد وهم باهظ الكلفة.
لم تنتصر إيران فقط لأنها ضربت، بل لأنها ثبتت حضورها كقوة إقليمية كبرى. لأول مرة منذ عقود، يتم الاعتراف بها – حتى من خصومها – كقوة لا يمكن تجاهلها أو محاصرتها.
خرجت من الحرب وجبهاتها موحّدة، وحلفاؤها أكثر ثقة، وصورتها أكثر وضوحًا في عيون الشعوب.
أما أمريكا، فقد بدت عاجزة عن التدخل المباشر، مربكة في رسائلها، متناقضة في تصريحاتها. لم تعد واشنطن قادرة على إيقاف الحرب، ولا على تغيير نتيجتها.
ومحور المقاومة؟ خرج من هذه الحرب وهو أكثر تنظيمًا وخبرة، وأكثر قدرة على إدارة معركة كبرى من عدة جبهات في وقت واحد.
انتهت هذه الجولة، لكن المعركة لم تنتهِ.
دخلنا مرحلة ما بعد “الردع الإسرائيلي”، نحو مرحلة “الهجوم الاستراتيجي للمقاومة”.
والسؤال الآن: من يرسم مستقبل المنطقة؟ هل يُترك الأمر لتفاهمات واشنطن – تل أبيب؟ أم أن معادلات طهران – بغداد – بيروت – صنعاء – غزة، باتت هي من يكتب وقائع التاريخ؟
في الأفق، ملامح نظام إقليمي جديد، لا تعود فيه إسرائيل اللاعب الأوحد، بل مجرد طرف قلق يحسب ألف حساب لأي حركة.
ولن يكون غريبًا إن سمعنا يومًا عن انسحاب أمريكي جديد، أو انهيار تحالف إسرائيلي – عربي وُلد ميتًا.
لقد انتهت الحرب، لكن الشرق الأوسط لم يعد كما كان.
هذه ليست مجرّد هدنة، بل إعلان مرحلة جديدة، كتبتها الجمهورية الاسلامية الايرانية، ووقّعت عليها المقاومة بالحبر الساخن.
من هنا فصاعدًا، لن تُقصف غزة وحدها، ولن تُستفز طهران دون رد، ولن تُترك فلسطين بلا سلاح.
فالشرق الأوسط الجديد… بدأ من طهران.




