علي الزيدي والعراق الجديد… هل تستعيد بغداد دورها في صناعة القرار الإقليمي؟!
أمين السكافي ||

لم يكن وصول علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة العراقية في أيار 2026 حدثاً عادياً في مسار السياسة العراقية، ولا مجرد تبديل لرئيس وزراء بآخر. فقد جاء الرجل من خارج الطبقة السياسية التقليدية، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتتبدل فيها خرائط النفوذ والتحالفات، فيما يبحث العراق عن موقع يخرجه من معادلة الساحة التي تتصارع عليها القوى إلى موقع الدولة التي تستطيع التأثير في مسارات الصراع.
علي الزيدي، رجل أعمال عراقي من مواليد بغداد، ينحدر من عائلة تعود جذورها إلى محافظة ذي قار، ويبلغ الأربعين من العمر. يحمل شهادات في القانون والمالية والمصارف، وعمل في قطاعات الاستثمار والعقارات والزراعة والمصارف والتعليم والصحة، وترأس مجموعة «ناشيونال هولدنغ». ولم يكن قبل تكليفه شخصية حزبية أو نائباً في البرلمان، بل جاء إلى السلطة بوصفه مرشح تسوية بين القوى السياسية المتنافسة.
والأهم هنا أن الزيدي لا ينتمي حزبياً إلى تيار سياسي محدد، ولم يصل عبر حزب يملك قاعدته الانتخابية الخاصة؛ إنما رشحه الإطار التنسيقي الشيعي، وهو التحالف البرلماني الأكبر الذي يضم قوى سياسية متعددة، بينها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وقوى أخرى ذات علاقات متفاوتة مع إيران. وقد جاء اختياره بعد تعثر التوافق على المالكي، وعدم تمكن رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني من ضمان ولاية ثانية.
وهكذا وجد العراق نفسه أمام رئيس حكومة لا يمتلك حزباً مستقلاً ولا كتلة برلمانية خاصة به، لكنه يستند إلى تحالف واسع ومتعدد المصالح. وهذه المفارقة ستكون مفتاح فهم شخصيته السياسية وحدود حركته في الداخل والخارج.
من هو الزيدي؟ وما طبيعة مشروعه السياسي؟
لا تتوافر حتى الآن سيرة سياسية طويلة للرجل تسمح بتصنيفه ضمن مدرسة سياسية عراقية بعينها. لكن تجربته الاقتصادية تكشف عن اهتمام بالاستثمار والقطاع الخاص والمشاريع التنموية. وقد جعل من إعادة بناء الاقتصاد، وتنويع الشراكات، وتطوير البنية التحتية، وتثبيت موقع العراق بوصفه دولة متوازنة إقليمياً ودولياً، عناوين أساسية لخطابه السياسي.
ومن أبرز الملفات التي تواجه حكومته حصر السلاح بيد الدولة، وتنظيم العلاقة مع الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، ومكافحة الفساد، ومعالجة الاعتماد الكبير على النفط، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. وقد بدأت حكومته خطوات لإعداد آليات دمج الفصائل ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، مع طرح تشريعات لتنظيم الرواتب والرتب وتأكيد احتكار الدولة للسلاح.
أما خصومه، فلا يمكن اختزالهم بشخص أو حزب واحد. هناك مراكز نفوذ داخل الإطار التنسيقي نفسه، وتيارات متنافسة حول إدارة الدولة والعلاقة مع إيران والولايات المتحدة. ويبرز نوري المالكي بوصفه مركز ثقل سياسياً لا يمكن تجاهله، كما أن علاقة الزيدي بالسوداني تقوم على واقع انتقال السلطة بين قوتين سياسيتين داخل المعسكر نفسه. وإلى جانب ذلك، تواجه حكومته تحديات من القوى الرافضة لتقليص نفوذ الفصائل المسلحة، ومن بعض القوى الكردية بسبب الخلافات على إدارة الإقليم والموارد، فضلاً عن الضغوط الأميركية والإيرانية المتعاكسة.
أما حلفاؤه، فهم في المقام الأول القوى التي أيدت ترشيحه داخل الإطار التنسيقي، والرئيس نزار آميدي، والقوى السنية والكردية المشاركة في التفاهمات الحكومية. لكنه يحتاج أيضاً إلى تفاهمات مع واشنطن وطهران والرياض وأنقرة، لأن الجغرافيا العراقية تجعل سياسة الانكفاء أمراً بالغ الصعوبة.
دمشق: النفط والأمن ورسالة الانفتاح
كانت زيارة الزيدي إلى دمشق في 28 تشرين الأول 2026 محطة سياسية مهمة، لأنها أول زيارة بهذا المستوى لرئيس حكومة عراقي إلى سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024. والتقى الرئيس أحمد الشرع، وبحث معه مستقبل العلاقات الثنائية، في تحول يعكس رغبة بغداد في التعامل مع الواقع السوري الجديد بدلاً من البقاء أسيرة خلافات المرحلة السابقة.
لم تكن الزيارة مجرد مجاملة دبلوماسية. فقد حملت ملفات اقتصادية وأمنية واضحة، أبرزها إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك ـ بانياس، الذي يمكن أن يمنح العراق منفذاً إضافياً لتصدير النفط عبر البحر المتوسط، بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على الممرات البحرية المعرضة للتوترات، ولا سيما مضيق هرمز.
وتحدث الجانبان عن خط تبلغ طاقته التصميمية المستهدفة نحو مليوني برميل يومياً، وعن تطوير التجارة والنقل والزراعة والاستثمار، والتحضير لمؤتمر اقتصادي عراقي سوري مشترك. كما بحثا تطوير الممرات التجارية التي تربط العراق بسوريا وتركيا والسعودية وميناء الفاو الكبير.
وفي الملف الأمني، كان التركيز على ضبط الحدود المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة. واتفق الطرفان على متابعة هذه الملفات من خلال زيارة وفد أمني عراقي رفيع إلى سوريا، يضم مسؤولين من وزارتي الدفاع والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي.
ومن المسائل التي طرحت أيضاً تسهيل زيارة العراقيين إلى مقام السيدة زينب في دمشق، عبر تشكيل لجنة تبحث الترتيبات الأمنية والتنظيمية اللازمة.
أما السؤال عن الاتفاقيات التي وُقّعت، فمن الضروري التمييز بين الاتفاقات القانونية الموقعة وبين الملفات التي جرى بحثها. المعلومات الرسمية المنشورة عن اجتماع 28 تشرين الأول تؤكد حصول مباحثات وتفاهمات حول مشاريع مشتركة، لكنها لا تثبت توقيع اتفاق نهائي جديد لتشغيل خط كركوك ـ بانياس. وبالتالي فإن الحديث عن إنجاز اتفاق نفطي نافذ سيكون سابقاً لأوانه.
والرسالة السياسية التي حملتها الزيارة إلى الشرع يمكن قراءتها من مضمون المباحثات نفسها: بغداد مستعدة لفتح صفحة جديدة مع دمشق، لكنها تريدها علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، وأمن الحدود، واحترام السيادة، وعدم السماح بتحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد للعراق. وهي رسالة انفتاح، لكنها ليست تفويضاً سياسياً مطلقاً.
بيروت: ماذا يحمل الزيدي إلى لبنان؟
أما المحطة اللبنانية، فتكتسب أهمية خاصة، لأن العلاقة بين بغداد وبيروت ليست علاقة تجارية عابرة، بل علاقة تاريخية واقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة.
كان الزيدي قد أعلن رغبته في زيارة لبنان خلال تشرين الأول، كما تناولت تقارير صحافية عراقية ولبنانية التحضير لزيارة رسمية على رأس وفد حكومي. لكن حتى 30 تشرين الأول، لم أجد إعلاناً رسمياً عراقياً نهائياً يؤكد موعد الزيارة وبرنامجها التفصيلي؛ ولذلك ينبغي التعامل مع تفاصيل جدولها باعتبارها ملفات متوقعة وليست اتفاقات منجزة.
وفي مقدمة الملفات المنتظرة:
النفط والطاقة: البحث في إعادة إحياء خط النفط العراقي عبر سوريا وصولاً إلى المنشآت والمرافئ اللبنانية، ولا سيما طرابلس، بما يفتح أمام العراق منفذاً متوسطياً ويعيد للبنان دوراً اقتصادياً إقليمياً.
الاقتصاد والتجارة: تطوير التبادل التجاري، والاستثمار العراقي في البنية التحتية والطاقة والنقل.
الملف السياسي: تأكيد دعم استقرار لبنان وسيادته ومؤسساته، والحفاظ على العلاقات التاريخية بين البلدين.
الملف الإنساني: استمرار المساعدات العراقية للبنان، خصوصاً في ظل آثار الحرب والدمار والنزوح، ومعالجة احتياجات المناطق المتضررة.
ولا يمكن الجزم بأن الزيدي يحمل مبادرة سياسية محددة بشأن سلاح حزب الله أو التوازنات اللبنانية الداخلية. لكن من المرجح أن تكون استعادة العلاقات الاقتصادية والتنسيق بشأن استقرار المنطقة في صلب رسائله إلى المسؤولين اللبنانيين.
هل عاد العراق لاعباً إقليمياً؟
هنا نصل إلى السؤال الأهم: هل بدأ العراق مع الزيدي يستعيد دوره التاريخي؟
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، كان العراق أحد المراكز الأساسية لصناعة القرار العربي. امتلك ثقلاً جغرافياً وعسكرياً واقتصادياً وبشرياً، وكان حاضراً في معادلات المشرق والخليج والصراع العربي الإسرائيلي.
لكن العراق بعد عام 2003 دخل مرحلة مختلفة، تحولت فيها أراضيه إلى ساحة لتنافس القوى الدولية والإقليمية، وأصبحت قراراته الخارجية مرتبطة إلى حد بعيد بالتوازنات الداخلية والتدخلات الخارجية.
اليوم يحاول الزيدي تغيير هذه المعادلة عبر سياسة الانفتاح المتعدد الاتجاهات. زياراته واتصالاته مع السعودية والأردن والكويت وسوريا، وتحركه باتجاه لبنان، تشير إلى رغبة في إعادة وصل العراق بمحيطه العربي، دون قطع علاقاته مع إيران أو الولايات المتحدة.
غير أن هذه السياسة تصطدم باختبارين كبيرين: الأول داخلي، يتمثل في قدرته على إخضاع مراكز النفوذ المسلح والسياسي لسلطة المؤسسات الدستورية؛ والثاني خارجي، يتمثل في قدرته على منع العراق من التحول مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الأميركية الإيرانية.
وهناك عامل اقتصادي لا يقل أهمية: العراق الذي يمتلك احتياطيات نفطية هائلة، يحتاج إلى منافذ تصدير متعددة، وشبكات نقل إقليمية، واقتصاد لا يبقى رهينة مضيق هرمز وتقلبات أسواق الطاقة.
إن أهمية الزيدي لا تكمن فقط في شخصه، بل في طبيعة اللحظة التي وصل فيها إلى السلطة. فالعراق يمتلك المقومات الجغرافية والاقتصادية والبشرية ليكون جسراً بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران، ومركزاً للتواصل بين المشرق العربي وعمقه الآسيوي.
لكن استعادة الدور التاريخي لا تتحقق بكثرة الزيارات ولا بالبيانات الدبلوماسية، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرار مستقل، وحماية مصالح مواطنيها، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية وسياسية.
فإذا نجح الزيدي في بناء هذه المعادلة، يمكن أن يصبح العراق شريكاً أساسياً في رسم مستقبل المنطقة، لا مجرد طرف يتلقى نتائج القرارات التي يصنعها الآخرون.
أما إذا بقيت السلطة موزعة بين مراكز النفوذ، وظلت السياسة الخارجية أسيرة التوازنات الحزبية والسلاح والضغوط الدولية، فإن بغداد ستبقى تتحرك داخل حدود الدور المسموح لها، لا حدود الدور الذي تستحقه.
والعراق أكبر من أن يكون مجرد ساحة نفوذ؛ إنه بلد يستطيع، إذا استعاد وحدته ومؤسساته وقراره الوطني، أن يكون أحد أعمدة الاستقرار وصناعة القرار في الشرق الأوسط.




