القائد عماد نجم عبود العقابي.. نور الذي لم يعد.. حكاية شهيد ترك روحه في بيجي..!
انتصار الماهود ||

نتصار الماهود
«أنا في الحياة ميت على قيد الحياة، خرجت روحي عند ذلك الاتصال الذي أخبرني بموتي في مكان آخر. نعم، كان جسدي في النجف حينها، لكن روحي خرجت في أرض الشؤم، بيجي».
كلمات تختصر وجعاً لا تستطيع اللغة احتواءه، كتبها أخو الشهيد عماد في رثائه، مستحضرا لحظة تلقّي خبر استشهاد أخيه، وكأن الموت لم يأخذ أخاه وحده، بل انتزع معه جزءا من روحه، وتركه حيا بجسد يحمل وجعاً لا ينتهي.
هكذا يفعل الفقد يغيب الأجساد، لكنه يعجز عن تغييب الأرواح والذكريات والحكايات التي تظل حاضرة في تفاصيل الحياة، مهما ابتعد أصحابها عن أعيننا.
إن أقسى ما يتركه الموت ليس منزلاً يخلو من أصحابه، ولا مقعدا ينتظر من اعتاد الجلوس عليه، بل قلوباً تواصل الانتظار رغم يقينها بالفراق.
في كل عيد، وكل مناسبة يبقى هناك مكان ناقص ووجه غائب وذكرى تعيد فتح الجرح، ويصبح الألم أكثر قسوة حين يتعلق بأم فقدت فلذة كبدها، بعدما كان حلمها أن تراه يعود إلى البيت سالما، لا أن تستقبل نعشه وتودعه إلى الأبد.
أنت لا تعرف ماذا يعني أن تفقد تلك الأم الجنوبية عزيزها، ولا أن تدعو له بالعودة دون أن يعود، و تراقب السماء منذ شروق الشمس حتى غروبها، وهي تنتظر رجوعه، تخفي تلك الأم حزنها في أعماق قلبها، لكن دموعها وأنينها يفضحان وجعا لا تستطيع الكلمات وصفه.
تجلس على عتبة المنزل، تحدق في الطريق، لعل الغائب يظهر من بعيد، ولعل خطواته تعيد إلى البيت روحه التي غابت معه، يصعب عليها أن تصدق أن المسافة بينها وبينه أصبحت بحجم الحياة والموت، وأن ابنها الذي غادرها ذات يوم لن يعود، وأن حزنها سيظل مقيما في قلبها حتى تلتحق به.
لكن بعض الغائبين لا يرحلون بل يتركون وراءهم سيرة تتجاوز أعمارهم، ومواقف تبقى حاضرة في ذاكرة من عرفوهم، ومن هؤلاء عماد شاب لم يمنعه صغر سنه من أن يترك بصمة في تاريخ المقاومة العراقية، وأن يختار طريقاً محفوفاً بالمخاطر، مؤمناً بما اعتقده واجبا عليه.
ولد الشهيد السعيد عماد نجم عبود العقابي في منطقة العبيدي بالعاصمة بغداد، في الخامس عشر من أيار عام 1989، نشأ في كنف أسرة ملتزمة دينياً وعقائدياً ، عارضت نظام البعث وحكم صدام حسين. كانت والدته أما عظيمة أنجبت أبناء حملوا اهتمامات دينية متعددة فمنهم من تتلمذ في الحوزة الدينية، ومنهم من كان رادوداً حسينياً، فانعكس هذا الجو الديني والروحاني على نشأة عماد، وأسهم في تشكيل شخصيته ومواقفه منذ طفولته.
أكمل عماد دراسته الابتدائية، ثم التحق بسوق العمل الحر، ليعمل كاسباً وهو لا يزال فتى صغيراً. ولم تكن سنوات طفولته بعيدة عن أجواء الخوف والملاحقة التي عاشتها أسرته في ظل النظام السابق، فقد اعتقل أخواه على أيدي أزلام النظام، وهما في الحادية والعشرين والتاسعة عشرة من العمر، وغُيّبا في السجون لفترة من الزمن.
كانت التهم الموجهة إليهما معاداة حزب البعث، والتعليم على الصلاة، وإقامة المجالس والقراءة على الإمام الحسين (عليه السلام)، والاستماع إلى الإذاعات المعادية للنظام ( محاضرات العلامة الشيخ الدكتور احمد الوائلي). أما السبب الذي تراه الأسرة وراء تلك الملاحقات، فكان تقليد السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر، رضوان الله عليه.
وفي تلك الأجواء، كان عماد من مقلدي السيد الشهيد، وقد أدى أول صلاة جمعة له في جامع المحسن وهو في التاسعة من عمره، في محطة مبكرة من مسيرته الدينية التي ارتبطت لاحقا بطريقه الذي اختاره.
فتى اختار طريقا محفوفا بالمخاطر
بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، انضم عماد، وكان في الرابعة عشرة من عمره،الى جيش المهدي وبعدها لصفوف المقاومة الإسلامية، (المجاميع الخاصة) التابعة لعصائب أهل الحق وكان مع رفاقه يسهم في شراء السلاح من أموالهم الخاصة لمواجهة قوات الاحتلال الأجنبي.
وعلى الرغم من صغر سنه، حظي عماد بمكانة مميزة بين رفاقه، الذين لمسوا فيه الشجاعة والبسالة والثبات على العقيدة. وأطلقوا عليه اسم «نور»، ليصبح هذا الاسم ملازماً له في مسيرته الجهادية. وفي السادسة عشرة من عمره، تخصص في صنف الإسناد ضمن عمل المقاومة، وعُرف بلقب «القناص»، لدقته في الرماية واستخدامه الهاونات، كما تذكر سيرته.
في عام 2008، التحق نور بلواء اليوم الموعود، وشارك في عمليات عسكرية متعددة مع عصائب أهل الحق ولواء اليوم الموعود. و كان يختار المهمات الأكثر خطورة، خاصة استهداف أرتال قوات الاحتلال، في مغامرات عسكرية كانت محفوفة بالمخاطر. ثم انضم إلى صفوف المقاومة الإسلامية حركة النجباء، واستمر في نشاطه المسلح ضد الاحتلال داخل العراق، وخلال تلك المرحلة، تخرج في عدد من الدورات القتالية داخل العراق وخارجه، من بينها دورات في القيادة والأركان والتخصصات العسكرية.
شارك في الدفاع عن مرقد السيدة زينب عليها السلام في سوريا، بعد تعرضه للتهديد من الجماعات المتطرفة الإرهابية ، وخاض معارك قال عنها رفاقه بأنها شهدت مواقف من الشجاعة والصمود.
بعد سقوط عدد من المحافظات العراقية بيد تنظيم داعش الإرهابي، عاد عماد إلى ساحات القتال دفاعاً عن أرضه وأهله، وشارك في معارك على محاور متعددة، أصيب خلالها مرتين، واستقرت شظاياها في جسده. ومع كل إصابة، كان يعود إلى الطريق الذي اختاره، غير أن خوفه الأكبر لم يكن الألم أو الموت، بل أن يفقد أحد أطرافه، فلا يستطيع مواصلة مسيرته التي أحبها.
كانت أسرته تلح عليه كي يكمل نصف دينه ويتزوج، رغبة منها في أن تراه مستقرا، وأن تفرح به كما تفرح العائلات بأبنائها. لكنه كان يجيبهم بكلمات تختصر ما كان يشغل قلبه: «اللي يحبني يدعي لي بالشهادة».
تخيل شابا في عمر الورد، يرى أمامه أحلاما كثيرة يمكن أن يعيشها، لكنه كان يتحدث عن الشهادة وكأنها الغاية التي ينتظرها.
لم تكن الدنيا، في نظره، هي الحلم بل كان يتطلع إلى نهاية اختار لها معنى مختلفا. وكان يقول لأهله مبتسما: «الثالثة أجيكم ع التاهو»، في إشارة إلى أنه سيعود إليهم شهيدا محمولا فوق السيارة بعد الإصابة الثالثة، وكأنه يستشعر موعداً لم يكن أحد يعرف متى سيأتي.
لم تكن عائلته تعلم أن هذه الكلمات ستتحول يوما إلى ذكرى تستعيدها بوجع، وأن الابتسامة التي رافقتها ستبقى عالقة في الذاكرة، وأن الحديث الذي بدا حينها بعيداً سيصبح حقيقة، فبعض الكلمات لا نعرف قيمتها إلا بعدما يصبح أصحابها جزءا من الغياب.
كانت بيجي المحطة الأخيرة في مسيرة نور، تلك الأرض التي استبسل فيها المقاتلون في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، دفاعا عن المدن وأهلها. وفي السادس من نيسان عام 2017، وبعد مواجهات عنيفة، أصابت رصاصة قناص عماد، إثر اشتباكات كانت أعنف المواجهات بين مقاتلي الحشد والقوات الأمنية من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى.
ارتقى «نور» شهيداً وهو صائم، في الثامن من شهر رجب الأصب، بعدما أمضى لحظاته الأخيرة يحث المقاتلين على مواصلة القتال ومواجهة الإرهاب والدفاع عن الأرض. هناك، في بيجي، انتهت حياة الشاب الذي غادر بغداد صغيراً، وحمل معه إيمانه وقناعاته وأحلامه، لكنه لم يعد إلى أهله كما وعدهم، ولم تتحقق أمنية أمه في أن تراه يدخل البيت من جديد.
عاد عماد هذه المرة محمولا على الأكتاف، لا ماشيا على قدميه، شيعه أهله وأحبته في تشييع مهيب، قبل أن يوارى الثرى في مقبرة وادي السلام في وداع لم يكن مجرد نهاية لحياة شاب، بل بداية حكاية بقيت حاضرة في ذاكرة عائلته وكل من عرفه.
رحل نور، لكن اسمه بقي حاضرا في ذاكرة أهله ورفاقه. رحل الجسد الذي أنهكته المعارك، وبقيت الحكاية التي ترويها دموع أخ، وانتظار أم.
فسلام على نور، يوم ولد، ويوم مضى في طريقه الذي اختاره، ويوم ترك خلفه عائلة تتعلم كيف تعيش مع الغياب. سلام على أمه التي ستظل تراه في كل زاوية من البيت، وعلى أخيه الذي خرجت روحه مع ذلك الاتصال.
أشد رمش برمش ماترضه عيني تنام ..
أراويها الصور وتصيح ودوني ..
روحي تصير غيمة ومن يمر طاريك ..
تظل ترعد حنين وتمطر عيوني ..




