المقاومة الثقافية.. لبنان رهينة القرار المزدوج… أمريكا ترسم، إسرائيل تقصف، والسلطة ترضخ..!
د. نسيب حطيط ||

بعد الضربات القاتلة التي تعرضت لها المقاومة، والتي كانت تشكل خط الدفاع الأساسي عن السيادة والأرض والكرامة الوطنية، تحول لبنان إلى محمية “إسرائيلية-أمريكية” تتولى واشنطن رسم سياساتها وقوانينها والتدخل في تفاصيل شأنها الداخلي بعناوينه الكلية والجزئية وتحوّلت السفارة الأمريكية من هيئة دبلوماسية تخضع للقوانين اللبنانية والدولية إلى غرفة عمليات تصنع القرارات اللبنانية وتقود سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً، وترعى المصالح الإسرائيلية بانتظار فتح سفارة رسمية بعد توقيع معاهدة سلام، بالتلازم مع شطب وتهميش المقرات الرسمية (القصر الجمهوري، السراي الحكومي، ومجلس النواب) والتعامل معها كأدوات تنفيذية لأوامر السفير الأمريكي الذي “نصّب ” نفسه حاكماً مطلقاً وآمراً ناهياً” لا يقبل المناقشة في إملاءاته، بل يصرح وينتظر التنفيذ وفق آلياته ومواقيته ، مهدّداً كل مسؤول سياسي أو عسكري يحاول التباطؤ أو إضافة تعديلات شكلية لضرورات دستورية، لتتحول تصريحاته فوراً إلى أحكامٍ عرفية وقرارات نافذة يُحظر رفضها تحت طائلة العزل والإقالة والاتهام.
لقد أطاح “اتفاق الإطار الثلاثي” بالحكومة التي وقّعته بعدما استخدمها التحالف الأمريكي- الإسرائيلي ،كأداة في الحرب على المقاومة، فلم تحصد سوى التقريع والإهانة من الحاكم الأمريكي والمحتل الإسرائيلي، لعجزها عن تنفيذ تعهداتها العلنية والسرية بنزع سلاح المقاومة وتكثيف الصفعات على وجهها لتسريع إصدار قرارات استراتيجية ضد المقاومة وإيران خلال ساعات معدودة، بالتلازم مع استدعاء السفير الأمريكي للنواب وإجبارهم على المطالبة بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل واستحداث كتلة نيابية جديدة “كتلة أمريكا” برئاسة السفير الأمريكي و إلزام مجلس النواب بإلغاء او إقرار قوانين للتطبيع مع العدو وحصار المقاومة وإجراءات إكراهية كإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، مما أدى الى تعرية السلطة وتجريدها سلطة القرار والتشريع ، وإجبارها علة قرار نزع الشرعية عن المقاومة واعتبار أعمالها وسلاحها خروجاً عن القانون يهدد الأمن القومي، مع تشريع الاحتلال الإسرائيلي واعتباره مجرد “ردة فعل”، متجاهلين أن هذه المقاومة —ورغم عدم تكافؤ القوى— لا تزال تحتفظ بكرامتها وقوتها التي تُقلق المنظومة الأمريكية-الإسرائيلية وتشكل تهديداً للسلطة التي نصّبتها واشنطن.
يتفنن السفير الأمريكي” حاكم لبنان المطلق” بالعبث بالقوانين والمؤسسات الدستورية، فيتحرك ميدانياً داخل الأجهزة العسكرية والأمنية والوزارات لحصار المقاومة وطائفتها، فيفرض قانوناً لإعتبار “إيران” عدواً للبنان؛ ويمنع طيرانها، المدني ويقفل مصرفها، ويطرد سفيرها، دون أي ردة فعل تجاه قصف الاحتلال وتدميره لأكثر من 70 قرية لبنانية، بل إنه يقود اجتياحاً سياسياً وقانونياً للإطباق على المقاومة بين فكي الميدان العسكري الإسرائيلي والمحور السياسي الداخلي، عبر فرض المراسيم والإجراءات المالية والتربوية لتغيير هوية لبنان ودوره، ليكون إسرائيلياً-أمريكياً بعدما كان ذا وجه عربي وروح وطنية مقاومة.
إن ما يثير الاستغراب والاستنكار هو صمت المسؤولين والقادة اللبنانيين وانصياع أحزابهم وانصارهم ، فلا يعترضون ولا يصدرون بيان استنكار ضد إهانات السفير وتدخلاته لعدم جرأتهم على مواجهته، خوفاً على مناصبهم وسعياً لعفوٍ عن فسادهم لينجوا من العقوبة، بينما يتنافس هؤلاء المسؤولون بالصراخ والتهديد للمقاومة إذا نقلت سلاحاً أو تصدت لعدو، أو يبادرون لمعاقبة مواطن ارتكب مخالفة بسيطة لتأمين معيشته. إن هذا الانهزام ،سخّف منظومة السلطة وعلّق العمل بالقوانين والدستور اللبناني وهتك مكانة القيادات أمام جمهورها، وفق مشروع أمريكي يهدف لإلغاء أي زعامة أو مرجعية دينية أو سياسية، وشطب الأحزاب لإقامة نظام سياسي جديد يقوم على الهامشيين والتافهين غير العقائديين “صبيان وغلمان السياسة”، لإنهاء “الحالة اللبنانية الاستثنائية” القائمة على الشراكة السياسية بين الأحزاب الطائفية والسلطة السياسية، وإلغاء المرجعيات الطائفية والحزبية واستبدالها بمرجعية أمريكية وحيدة تُجبر الناس على طاعتها وفق منهج “ولاية السفارة” وإقناعهم بأن مصالحهم لا تُقضى إلا عبر أبواب السفارة.
إن مقاومة هذا الاجتياح السياسي الأمريكي والإرهاب القانوني والاقتصادي ،لا تقل أهمية وواجباً عن مقاومة الاحتلال العسكري الاسرائيلي ،لأن نجاح المخطط الأمريكي-الإسرائيلي يهدّد باجتثاث المشروع الوطني المقاوم بكامله وإلغاء تاريخه ومحو ثقافته ولن يقتصر على الغاء العمل المقاوم العسكري .
إن الدفاع عن القانون والدستور والسيادة هو دفاع عن وجود لبنان وعن كل مواطن وطائفة وحزب ومن يظن من الزعماء والأحزاب والطوائف أن مشاركته في ذبح المقاومة وطائفتها ،ستجعله شريكاً أو قابضاً على السلطة، فهو واهم إلى حد الغباء، وليتذكّر ويراجع التاريخ أن الغزاة والمحتلون يتخلصون من أدواتهم وعملائهم فور انتهاء وظيفتهم لأنهم لا يثقون بمن خان وطنه وشعبه… فهل يستيقظ هؤلاء قبل فوات الأوان؟
د.نسيب حطيط




