الجمعة - 30 اكتوبر 2026
منذ 57 دقيقة
الجمعة - 30 اكتوبر 2026

علي الحسني ||

 

 

 

الجميع يعرف أن لبلاد الرافدين مميزات جغرافية فريدة، غير أن هذه المميزات كانت نقمة على العراق، فهي التي جرّت عليه الويلات عبر التاريخ؛ فأغلب الدول العظمى التي تسيطر على العالم تكون أرض السواد في مقدمة أطماعها.
فقبل الإسلام سعت الإمبراطوريات الكبرى إلى السيطرة على العراق واستثمار موقعه، وبعد قيام الدولة الإسلامية على يد الرسول الكريم(ص) ومجيء الخلفاء الراشدين كان العراق والشام في طليعة الفتوحات الإسلامية، لكنها كانت فتوحات هداية ونشر للدين الإسلامي وليست استعماراً، كما فعل الاحتلال المغولي الذي احتل بغداد بعد سقوط الدولة العباسية ودمّرها.
وفي العصر الحديث خضع العراق لسيطرة الدولة العثمانية لعدة قرون، ذاقت فيها ولايات الموصل وبغداد والبصرة الفقر والحرمان؛ فقد فرض العثمانيون الضرائب الباهظة والتجنيد الإلزامي الذي حصد أرواح العراقيين، وتفشت الأمراض والأوبئة التي فتكت بالناس مع غياب الرعاية الصحية وغياب الأمن في الأطراف، وساد الاقتتال الداخلي بين العشائر دون تدخل من العثمانيين.
ثم تلاه الاحتلال البريطاني، وكان على مرحلتين: الأولى: الاحتلال المباشر، وقد حصل في الحرب العالمية الأولى عندما قامت بريطانيا باحتلال العراق، وعملت على بناء الدولة العراقية الحديثة بجميع مؤسساتها، لكن ليس للعراقيين ومصالحهم، بل خدمةً لمصالحها؛ فجميع المؤسسات والجيش سُخِّرت لخدمة المصالح البريطانية، كما صودرت معظم محاصيل المزارعين لإطعام الجنود البريطانيين، بالإضافة إلى القمع الوحشي للثورات، ومنها ثورة العشرين التي قُمعت بطريقة همجية حين قُصفت المدن بالطائرات، كما عملت بريطانيا، في الاحتلالين المباشر وغير المباشر، على ترسيخ الطائفية لتمزيق وحدة الشعب العراقي وإضعافه.
والثانية: الاحتلال غير المباشر، وقد تجسّد بمعاهدة عام ١٩٣٠ التي كبّلت العراق وجعلته تابعاً للندن في جميع سياساته الداخلية والخارجية، واحتفاظ الجيش البريطاني بقاعدتي الشعيبة والحبانية، فضلاً عن الهيمنة الاقتصادية التي تمثلت بالسيطرة على معظم النفط العراقي، ولم يتبقَّ لبغداد إلا النزر اليسير.

وعلى العكس من المسار البريطاني قدّمت أميركا الاحتلال غير المباشر على الاحتلال المباشر، وذلك عبر ثلاث مراحل:
الأولى: تمثلت بالدعم اللامحدود للمقبور صدام حسين ودفعه لإشعال الحرب مع إيران خدمةً للمصالح الأميركية، وهذا الدعم قُدّم من خلال دول الخليج التي وفّرت لبغداد كل التسهيلات، وخاصة العسكرية.
والثانية: تمثلت بالانقلاب الأميركي على المقبور برفع كل هذا الدعم، والسعي لنهب خيرات العراق وتدمير اقتصاده من خلال المطالبة بالديون المترتبة بذمته نتيجةً للحرب الإيرانية، ثم إضعاف قدراته العسكرية وتدميرها، التي فاقت قدرات الكيان الصهيوني في ذلك الوقت، فجاءت حرب الخليج محققةً لواشنطن ما أرادت، وشهد العالم المجازر المروعة التي ارتُكبت بحق الجيش العراقي أثناء انسحابه من الكويت، ولم تكتفِ أميركا بذلك، فسعت لفرض حصار ظالم على العراق لتدمير ما عجزت آلة الحرب عن تدميره، ولم يدفع ثمن هذا الحصار غير الشعب العراقي، بينما الطاغية وجلاوزته كانوا ينعمون بالقصور ولياليها الحمراء.
أما الثالثة: فتمثلت بالاحتلال المباشر، حيث دخلت القوات الأميركية العراق بعد إنهاكه بكل ما تقدم، ولم تكتفِ واشنطن بذلك، فقد فسحت المجال للإرهابيين بإشعال نار الفتنة والاقتتال الطائفي الذي يرفضه الشعب العراقي بكل مكوناته، وباتت الهيمنة الأميركية على بغداد واضحة للعيان.
لكن سعت الحكومات العراقية بعد تشكيلها إلى التخلص من هذه الهيمنة والحصول على السيادة العراقية الكاملة. ونتيجةً لما تقدم نقول: إن كل القوى التي سيطرت على العراق اتفقت على نهب ثرواته ومصادرة قراره وإضعافه سياسياً وعسكرياً، وتمزيق نسيجه الداخلي بالطائفية المقيتة، فكل محتل لا يبحث إلا عن مصلحته، وأما مصلحة بغداد فلا يصونها إلا العراقيون أنفسهم وبمختلف طوائفهم.