الجمعة - 30 اكتوبر 2026

بين آلاء حسين وكاظم المقدادي وخالد الأسدي. سجالٌ أم حوار في حظيرة التهم؟!

منذ 38 ثانية
الجمعة - 30 اكتوبر 2026

علاء الطائي ||

 

 

 

في العراق لا يمرّ تكريمُ فنانةٍ من ملحقيةٍ ثقافيةٍ لدولةٍ ما مرورَ الكرام بل يتحوّل سريعاً إلى محكمةٍ على أرصفة التواصل “الفنانة متهمة- والإنجاز قرينة إدانة- والتكريم جريمة”.
وهكذا وجدت آلاء حسين نفسها في قلب سجالٍ لا علاقة له بفنها..بقدر ما له علاقة بنا نحن بضعفنا في الفصل بين “العقيدة والمذهب والسياسة وبين الوطن والسلطان وبين نقد الدولة واحتقار الإنسان”.

أولاً– التكريم ليس عقيدة… والنقد ليس خيانة
من حقّ أيّ عراقي أن يختلف مع سياسات أي دولة..
وأن ينقد تكريم ملحقيةٍ ثقافيةٍ لجهةٍ ما…لكن من واجبه أيضاً ألا يحوّل هذا الاختلاف إلى محاكمةٍ شخصية لفنانةٍ أدّت أدواراً فنية ومواقف إنسانية..من بينها مواجهة داعش.
التكريم موقفٌ سياسي-ثقافي قابل للنقاش لكنه ليس شهادة عقائدية– ولا يجعل المكرَّم مرجعاً في فلسفة الدين والوطن ولا يجعل منتقدَه خائناً بالضرورة.
من قال إن “الشهرة لا تعني ثقافة” أصاب في جوهرها فليست كل ممثلةٍ مفكرة..وليس كل تكريمٍ تنظيراً.. لكن من خلط بين نقد التكريم وبين “عقيدة صفوية” و”تشييع بالسيف” فقد ارتكب الخطأ نفسه الذي يعيبه على غيره.
الخلط بين العقيدة والمذهب والسياسة.

ثانياً– العقيدة ليست المذهب… والمذهب ليس موقف السلطان
. العقيدة إيمانٌ ومبدأ.
. والمذهب اجتهادٌ تاريخي.
. وموقف الدولة أو السلطان سياسةٌ تُنقد سياسياً.
إسماعيل الصفوي
. فعلٌ سياسي-تاريخي ولا يصحّ تحميله كعقيدةٍ لكل من يخالفك سياسياً.
. وإيران دولةٌ لها سياساتٌ تُنقد وتُقبل لا”عقيدةٌ” تُحاكم بها النوايا.
وحين يقول أحدهم إن “الوطن والوطنية مصطلحان عرفا بعد الثورة الفرنسية ولا أصل لهما في القرآن” فهو يقع في اختزالٍ آخر.
. القرآن لا يلغي الجغرافيا
. والإسلام لا يطلب من المسلم أن يعيش بلا وطن. نعم الانتماء الأكبر للأمة.
لكن الوطن ليس بدعةً فرنسية ولا خصماً للعقيدة.
المشكلة ليست في المصطلح..بل في تحويل المصطلح إلى عصا تُضرب بها رؤوس الناس.

ثالثاً– من يحمي الوطن من محاكم العقيدة؟
مقال “العقيدة أولاً.. والوطن مقدماً” حاول الخروج من فخ المفاضلة لكنه بقي أسير صياغةٍ مثالية تحتاج تفكيكاً.
أي عقيدة؟
وأي وطن؟
ومن يملك حقّ تعريفهما؟
الوطن ليس خصماً للعقيدة والعقيدة ليست بوابةً لاختبار وطنية الناس.
ومن يرفع شعار الوطن أولاً ثم يستخدمه لتخوين الخصوم
إنما يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي يرفضه..من ليس معي في تعريف الوطن ليس معي في العقيدة.
وهنا السؤال الحقيقي.
لماذا تُطرح هذه المعارك الهوياتية الآن؟
ولماذا يُستدعى الوطن والعقيدة كلما احتدم نقاشٌ سياسي أو فني؟
الجواب بسيط ومُرّ.
لأن هذه المعارك تُفرّغ المواطنة من مضمونها وتُهرب الناس من الاستحقاقات الحقيقية.
الخدمات والفساد والعدالة وسيادة القانون.

رابعاً– سجالٌ أم حوار؟
ما جرى بين آلاء حسين وكاظم المقدادي وخالد الأسدي ومن دار في فلكهم ليس حواراً بل سجالٌ بالمعنى السيئ. كلٌّ يريد أن يثبت خيانة الآخر لا أن يفهم حجته.
الحوار يبدأ عندما نسأل.
· ما حدود نقد تكريم دولةٍ لشخصٍ عام؟
· كيف نفصل العقيدة عن المذهب عن موقف السلطان؟
· هل الوطنية بديلٌ عن الدين أم انتماءٌ مشروع؟
· لماذا نستخدم الحظيرة والخنازير بدل أن نفكّك الفكرة؟

أما السجال فيبدأ عندما نضع التهمة سلفاً ثم نبحث عن دليل. وهذه هي النفوس التسولية التي تريد التبرّي من ساحة التهمة بقاعدة “اذكرني عند ربك” فتنقلب على خصمها بالمنطق نفسه الذي تدينه.
بالنهاية اخرجوا من حظيرة التهم
لا حاجة بنا إلى استعارة حظيرة الخنازير كي نرى المشهد يكفي أن نقول… حظيرة التهم.
هناك من يحوّل التكريم إلى تهمة- والإنجاز إلى جريمة- والاختلاف إلى محاكمة شخصية- والوطن إلى ساحة تصفية حسابات.
والخروج من هذه الحظيرة لا يكون بمزيد من الصراخ بل بأسئلةٍ باردة.
ما موقفنا من التكريم؟
ما حدود النقد؟
كيف نفصل العقيدة عن المذهب عن السياسة؟
وكيف نحمي الوطن من الذين يحمّلونه ما لا يحتمل؟
حينها فقط يتحول السجال إلى حوار… ونخرج من ساحة التبري إلى ساحة الفكر.

#العراق #آلاء_حسين #حظيرة_التهم #العقيدة_والوطن #سجال_أم_حوار #نقد_لا_تخوين