قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿سورة الأنعام: 33﴾..!
✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿سورة الأنعام: 33﴾
ما يُوَجَّه من اتهامات وافتراءات إلى الأحرار المصلحين والقادة الربانيين وأفراد المجتمع المؤمن لا يقل خطرًا ولا أَلَمًا عما يُطلق على صدورهم من سهام، وتُقصَف به دورهم من صواريخ فتّاكة. “فرُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ” كما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع).
إن الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل لا يقتصر على اختلاف هؤلاء عن أولئك في الاعتقاد والفكر والقيم، بل غالبًا ما ينتقل إلى محاولة تشويه صورة أصحاب الحق، والنيل من سمعتهم، وتنفير الناس منهم ومن رسالتهم، وصدِّ الناس عن الالتحاق بركبهم.
هذا ما تكشف عنه الآية الكريمة، فالله تعالى يخاطب رسوله الأكرم (ص) عالمًا بما يلقاه من قومه من أقوال ومواقف مؤذية، وما يتركه ذلك في نفسه من حُزن. وبصرف النظر عن الروايات الواردة في سبب نزولها، فإن الآية تكشف عن جانب من أساليب مواجهة النبي(ص)، يتمثّل في الأقوال والمواقف التي تستهدف النيل منه، وصرف الناس عن رسالته، وتبين أن موقف المكذبين لم يكن بالضرورة ناشئًا عن جهلهم بصدقه، بل عن جحودهم بآيات الله.
وإذا كان هذا قد وقع في مواجهة رسول الله محمد (ص)، وهو الذي أجمع الناس كلهم على صدقه وأمانته حتى لُقِّبَ بالصادق الأمين، فما بالك بما يتعرَّض له أهل الحق في هذه الأيام، وقد أصبحت وسائل التأثير في الرأي العام أسرع وأوسع انتشارًا؟ تستطيع المنصّات الإعلامية وشبكات التواصل إثارة شبهة، أو اقتطاع كلام من سياقه، أو تضخيم خطأ، أو ترويج اتهام وشائعة تطعن في شخص أو جماعة. ثم تنتشر هذه المواد في ثوانٍ، وتبلغ أقصى بقاع الأرض، وقد يستمر تكرارها حتى يألفها الناس وترسخ في أذهانهم.
في زماننا هذا أصبح الإعلام من أهم أدوات الحرب، ومن أهم الوسائل التي يستفيد منها الأعداء لتضليل الناس، وحجب الحقيقة عنهم، وصرفهم عن الاهتمام بقضاياهم الأساسية والمصيرية بقضايا ثانوية لا ضرورة لها.
ولمّا كانت الحملات الإعلامية الهائلة التي تشنها وسائل الإعلام المعادية أداة رئيسية من أدوات الصراع على الوعي والإدراك، فالواجب على المؤمنين جميعًا أن يتحمّلوا مسؤولياتهم في صد خطابها المعادي، وتفنيد المضامين التي تنشرها، ودحض الأباطيل التي تروّج لها. ولا يجوز لهم بحال من الأحوال، عندما يسمعون اتهامًا موجّهًا إلى شخص منهم، أو قائد، أو موجّهًا إليهم كجماعة، أن يتعاملوا معه بوصفه حقيقة لمجرد شيوعه في وسائل التواصل، بل عليهم أن يسألوا عن مصدره وعن الشخص الذي نشره، ويبحثوا عن ارتباطاته وعلاقاته وتوجّهاته السياسية والفكرية، ويطالبوه بالدليل.
ولا بد للمؤمنين اليوم من أن يصمدوا أمام حملات التشويه، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا امتلكوا بصيرة نافذة، وأحسنوا التمييز بين الصادق والكاذب من الأخبار والوسائل، وبين الحُجَّة والدعاية، وأن يواجهوا التضليل بالبيان الرصين والمعلومة الصادقة الصحيحة، ولا يجوز لهم بحال من الأحوال أن يتركوا الساحة خالية للخطاب المُضلِّل والتشويه المتعمَّد.
وهذا ينسجم مع المعنى التربوي الذي يبرزه القرآن الكريم في طائفة من آياته الكريمة التي تركِّز على ضرورة أن يواجه المؤمنون العاملون التحديات بعقلية واقعية، وهدوء نفسي، واتزان، وثبات على مبادئهم، ووعي بوسائل التأثير، وكفاءة في إيصال الحقيقة، وأن يتجنّبوا ردود الفعل الانفعالية.
يبقى أن نقف عند أمر لافت في الآية الكريمة وهو قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فلماذا لم يقل الله سبحانه، وهو يخاطب نبيه: إنهم يكذبونك. بل قال: لا يكذبونك. ثم وصف موقفهم بأنه جحود بآيات الله.
أقول: لقد أجمع أهل مكة على صدق النبي (ص) وأمانته، ولم يشذَّ منهم أحد عن ذلك، فلم تكن مشكلتهم مع رسول الله (ص)، بل كانت مع ما جاء يدعوهم إليه، حيث وجدوا أنه يحدث تغييرًا هائلًا في عقائدهم وأفكارهم وعاداتهم وتركيبتهم الاجتماعية ومكانة الأشخاص فيها، مما جعلهم يجحدون بآيات الله، لا لأنها باطلة، بل دفاعًا عن مصالحهم وامتيازاتهم.
✍️ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 30/10/2026 الساعة (04:47)




