حين يزرع المخلصون ويحصد المتسابقون..!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

لم تكن الحروب والحصار والأزمات التي مرّ بها العراق مجرد خسائر مادية ودمار في المدن؛ فقد تركت آثاراً عميقة في المجتمع، وأثّرت في أنماط التعامل بين بعض الناس، حتى أصبح البعض يرى في الحيلة طريقاً مختصراً لتحقيق المصالح، وفي طيبة الآخرين فرصةً للإستغلال.
في التجارة، قد يبدأ الأمر بوعود مغرية وينتهي بخديعة، وفي العلاقات الإجتماعية، قد يرتدي البعض ثوب المسكنة حتى يبلغ غايته، وحتى في الزواج والصداقة، قد تتحول المشاعر عند البعض إلى وسيلة لتحقيق المصلحة، بدلاً من أن تكون أساساً للصدق والوفاء.
لكن الحيلة لا تقف عند حدود المال والعلاقات؛ فهي تظهر أيضاً في ميادين العمل والعطاء، حين يعمل الإنسان بإخلاص وتفانٍ، ويبذل جهده بصمت، وعندما يحين وقت قطف الثمار، تبدأ المنافسة، ويتسابق البعض على النتائج، وربما ينسبون لأنفسهم ما صنعته أيدي غيرهم.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: هناك من يقضي وقته في زراعة الأشجار وسقيها، ثم يقف منتظراً أن ينصفه الآخرون بثمرة من تعبه، لأنه لا يريد مزاحمة أحد أو إنتزاع حق غيره وفي المقابل، هناك من لا ينتظر نضوج الثمرة، بل يراقب جهود الآخرين ليكون أول من يصل إليها!
الطيبة ليست عيباً، ولا العيب في الإخلاص، ولا في أن يعمل الإنسان من دون ضجيج؛ إنما العيب فيمن يتخذ هذه الصفات مدخلاً للإستغلال، ومع ذلك، لا ينبغي أن نفقد ثقتنا بالناس بسبب سلوك البعض، فمجتمعنا ما زال يزخر بأصحاب المروءة والوفاء والضمير الحي.
إن الخوف من الله وراحة الضمير لا يعنيان أن يتنازل الإنسان عن حقوقه، كما أن التواضع لا يعني أن يسمح للآخرين بتجاوزه، فمن حق كل إنسان أن يطالب بثمرة جهده، وأن يحفظ كرامته، من دون أن يظلم أحداً أو ينافسه بوسائل غير شريفة.
إلّي يعيش بالحِيلة يموت بالفُگرْ! فالمكاسب التي تُبنى على الخداع قد تدوم حيناً، لكنها لا تصنع إحتراماً ولا تؤسس لثقة دائمة، أما المخلصون فقد يتأخر إنصافهم، لكن قيمة ما يقدمونه لا تتحدد بمن سبق إلى قطف الثمار، بل بما تركوه من أثر.
في النهاية، ليس النجاح أن تصل إلى الثمرة قبل الآخرين، بل أن تصل إليها بجهدك وحقك وضميرك مرتاح؛ فالحياة لا تحتاج إلى مزيد من المتسابقين على حصاد جهود الآخرين، بقدر ما تحتاج إلى من يقدّر الزارع، ويحفظ حقه، ويؤمن بأن العدل لا يقل أهمية عن النجاح، وهذه رسالة إلى من إعتلى المنصات وكان خطابه مجرد زوبعة وثرثرة مبتغاها الحصول على منصب.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




