أزمة الخطاب السياسي السعودي وأوراق الضغط: استدعاء الرمزية الدينية في مواجهة الهزائم المختلفة..!
محمد علي اللوزي ||

لم يعد خافيا أن الخطاب السياسي السعودي يحاول توظيف مكانة مكة المكرمة والمدينة المنورة في الصراع السياسي والعسكري، وتحويل ما تحمله المدينتان من رمزية دينية عظيمة في وجدان المسلمين إلى وسيلة لاستدرار التعاطف وحشد المواقف السياسية والعاطفية لصالح الرياض.
فبدلا من مواجهة نتائج سياساتها الإقليمية ومراجعة حساباتها بعد سنوات من الحرب على اليمن، تلجأ السعو دية، بحسب هذا الطرح، إلى استحضار ورقة المقدسات وتصوير نفسها باعتبارها الطرف المستهدف دينيا، وكأن الخلاف معها خلاف على الإسلام ومقدساته، لا صراع سياسي وعسكري تتحمل سياساتهاجانبا كبيرا من مسؤوليته.
لقد دخلت السعودية الحرب على اليمن وهي تراهن على حسم عسكري سريع، وعلى تفوقها في الإمكانات والتسليح، وعلى قدرتها على استقطاب تحالف إقليمي ودولي يوفر لها الغطاء السياسي والغسكري، غير أن مسار الحرب جاء مغايرا لكثير من حساباتها، فلم يتحقق الحسم الذي وعدت به، ولم تتمكن القوة العسكرية وحدها من فرض النتائج السياسية التي أرادتها، واستمرت المواجهة سنوات طويلة، بما حملته من استنزاف للموارد وتراجع في صورة القوة التي لا تقهر.
كما أن المواقف الدولية والإقليمية لم تكن جميعها على مستوى ما كانت الرياض تأمله، وولم تنجح المساعي السعودية في تحويل التحالفات والضغوط الخارجية إلى انتصار نهائي ينهي الصراع وفق شروطها. وأمام هذا الواقع، يصبح من المشروع التساؤل عن أسباب استحضار المقدسات في الخطاب السياسي كلما اشتدت الضغوط أو تعثرت الحسابات. فإذا كانت السعودية واثقة من سلامة موقفها السياسي والعسكري، فلماذا تختاج إلى تقديم نفسها باعتبارها المدافع عن المقدسات في مواجهة خصومها؟ ولماذا يجري أحيانا نقل النقاش من تقييم السياسات والحروب والقرارات إلى استثارة المشاعر الدينية، وكأن الاعتراض على الرياض اعتداءعلى مكة والمدينة، وكأن انتقاد السلطة السعودية يعني الانتقاص من مكانة الحرمين الشريفين؟
إن مكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا ملكا سياسيا لهذه للرياض، ولا يجوز اختزال مكانتهما الدينية في المواقف الرسمية لدولة بعينها، الحرمين الشريفين يمثلان قبلة المسلمين وموضع تقديسهم، ومكانتهما أوسع من حدود المملكة ومن حسابات حكامها وتحالفاتهم. ومن هنا، فإن محاولة ربط أمن المقدسات بأمن السلطة السياسية، أو تصوير الدفاع عن السياسات السعودية باعتباره واجبا دينيا مطلقا، تمثل خلطا بين المقدس والسياسي بى تحويل للمقدس ليخدم النظام السياسي بماهو عليه من انتهاك للقيم ومحاولة خلخلة المقدس كرمز ديني الرقص عريا امام مجسم الكعبة نموذجا ،
ان ضع المشاعر الدينية للمسلمين في خدمة أهداف سياسية هو امر في غاية الخطورة له تداعياته على مستوى الامة الاسلامية وهو وسيلة لشيطنة الآخر واستعطاف لمشاعر المسلمين للقوف الى جانب نظام افاك ، كما ان ا استخدام العبارات المثيرة للمشاعر يفتح الباب أمام توظيف الدين في النزاعات السياسية، ويجعل مشاعر ملايين المسلمين أداة في معركة لا تتعلق بالضرورة بالدفاع عن المقدسات بقدر ما تتعلق بحسابات النفوذ والسلطة.
ولعل ما يثير التساؤل أيضا أن هذا الخطاب لا يجد القبول نفسه لدى جميع الدول والشعوب الإسلامية، إذ تتفاوت المواقف بحسب المصالح السياسية والتقديرات الأمنية ومدى الاقتناع بالرواية المطروحة.
فليس كل مسلم مستعدا لتبني الموقف السعودي لمجرد أنه صدر عن دولة تحتضن الحرمين الشريفين، وليس كل حكومة ترى أن الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة هو الطريق الصحيح للدفاع عن المقدسات، فالدول تتخذ قراراتها وفق حسابات معقدة، والشعوب باتت أكثر قدرة على التمييز بين الاحترام للمقدسات وبين توظيفها لتبرير السياسات والحروب.
أما القوى والتيارات التي تتبنى الرواية السعودية من دون تمحيص، أو تجعل الدفاع عن الرياض معيارا للولاء الديني، فإنها تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية في تعزيز هذا الخلط. ، و من حق الرأي العام أن يتساءل عن مصادر التمويل وطبيعة العلاقات السياسية وحدود استقلالية بعض المنابر والجهات التي تقدم نفسها بوصفها حاملة لموقف ديني، بينما تتطابق مواقفها بصورة لافتة مع حسابات السلطة ومصالحها الإقليمية. وفي المقابل، تبرز مسألة إدارة الحرمين الشريفين وتكاليف الحج بوصفها قضية تستحق نقاشا جادا ومستقلا عن الدعاية السياسية، فالحج ركن من أركان الإسلام، وقد قرن الله وجوبه بالاستطاعة، ومن واجب الجهات المسؤولة عن تنظيمه أن تعمل على تيسير أداء المناسك، ومراعاة أوضاع المسلمين الاقتصادية، والشفافية في الرسوموالتكاليف والخدمات المقدمة.
ولا يمكن الحكم على مشروعية جميع التكاليف بمجرد ارتفاعها، لكن من حق المسلمين المطالبة بمراجعة الأعباء المالية التي قد تحول دون استطاعة بعضهم أداء الفريضة، وبسياسات أكثر عدلا ووضوحا تراعي اختلاف مستويات الدخل بين الشعوب الإسلامية. فإذا كانت الرياض تستند إلى شرف خدمة الحرمين الشريفين، فإن هذا الشرف ينبغي أن يترجم إلى مسؤولية عملية في التيسير على الحجاج، وحماية قدسية المكان والناي به من عن السياسي الانتهازي، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يجعل الشعائر الدينية خاضعة لمنطق التجارة ، فخدمة الحرمين ليست مجرد لقب رسمي ولا وسيلة لاكتساب الشرعية السياسية، بل مسؤولية عظيمة تقاس بمدى العناية بالمقدسات، وحفظ حقوق زوارها، وتوفير الظروف المناسبة لأداء المناسك في أمن وطمأنين وكرامة. وبالمثل، فإن الحفلات والفعاليات الترفيهية التي تنظمها الدولةة و تعلن الدولة التمسك بها، فانه من حق المواطنين والمسلمين التساؤل عن التناقضات بين الخطاب الديني الرسمي وبعض الممارسات العامة، ، فالمعيار الحقيقي هو اتساق السياسات والممارسات مع القيم المعلنة، لا مجرد رفع الشعارات الدينية عند الحاجة السياسية. إن الإشكالية الجوهرية تكمن في محاولة احتكار الحديث باسم الإسلام، وربط المقدسات بمصالح دولة أو نظام، وتصوير الخصومة السياسية مع الرياض على أنها خصومة مع الدين، فالإسلام أوسع من الحكومات، والحرمين الشريفين أرفع من أن يتحولا إلى ورقة ضغط في النزاعات الإقليمية. ومن حق اليمنيين، كما من حق غيرهم من الشعوب، أن يناقشوا الحرب والسياسات السعودية، وأن ينتقدوا ما يرونه تدخلا في شؤونهم أو اعتداء على سيادتهم، من دون أن يواجهوا باتهامات تمس دينهم أو ولاءهم للمقدسات. كما أن الدفاع عن المقدسات لا يكون بالخطابات وحدها، ولا باستدعاء المشاعر كلما واجهت السلطة أزمة، بل بالالتزام بمبادئ العدل، وتجنب الاعتداء على الآخرين، واحترام سيادة الدول، والحرص على أرواح المدنيين، والعمل على إطفاء نيران الحروب بدلا من توسيعها. وإذا كانت المقدسات تستحق الحماية، فإن دماء المسلمين وكرامتهم وحفوقهم تستحق الحماية أيضا، ولا يستقيم أن يجري التشديد على حرمة مكان مقدس، بينما يجري تهميش الأسئلة المتعلقة بحرمة الدماء وحقوق الشعوب ونتائج السياسات العسكرية. إن اليمن ليس ساحة يمكن اختزالها في رواية طرف واحد، ولا شعبه كتلة بلا إرادة أو ذاكرة أو موقف، وأي محاولة لاستمالة المسلمين عبر تصوير الحرب باعتبارها معركة للدفاع عن مكة والمدينة يجب أن تخضع للفحص والتدقيق، لا أن تقابل بالتصديق التلقائي.
فالمسلم الذي يحترم الحرمين الشريفين لا يفقد حقه في مساءلة السلطة التي تدير شؤونهما، ولا يصبح ملزما بتأييد سياساتها الخارجية، كما أن انتقاد السعودية لا يعني بأي حال من الأحوال استهداف الإسلام أو الانتقاص من مكانة مقدساته. وفي المحصلة، فإن مكانة مكة المكرمة والمدينة المنورة أكبر من أن تستخدم غطاء لأي مشروع سياسي أو عسكري، وأسمى من أن توظف لاستدرار التعاطف أو إسكات النقد. وإذا كانت الرياض تريد احترام المسلمين وثقتهم، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر استثارة العواطف أو تصوير الخصوم باعتبارهم أعداء للمقدسات، بل عبر تقديم الوقائع والأدلة، ومراجعة السياسات التي أثارت الاعتراض، وتيسير الحج، والالتزام بمبادئ العدل، والسعي الجاد إلى إنهاء الصراعات. فالمقدسات ليست درعا يحتمي به السياسيون منالمساءلة، والدين ليس صكا يمنح الحكومات حصانة من النقد، والولاء لمكة والمدينة لا يعني التنازل عن حق الشعوب في الدفاع عن أوطانها ورفض التدخل في شئونها




