الخميس - 29 اكتوبر 2026
منذ ساعتين
الخميس - 29 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

الاعتداءات الامريكية والصهيونية وبدعم خليجي مفتوح  على طهران تكررت وفي كل منازلة يكون لدى طهران قول الفصل وأستراتيجية جدية تختلف عن سابقتها ، لكن هذه الاستراتيجبات بمجملها تشكل غرفة عمليات يدرها أبناء الامام الشهيد الخامنئي العظيم .

تُمثل “استراتيجية الردع النشط” المحور الإستراتيجي الأكثر حيوية في العقيدة الأمنية والسياسية لطهران، حيث تجاوزت فيها إيران مفاهيم الدفاع التقليدي أو الردع السلبي القائم على انتظار الضربة وردها، نحو هندسة استباقية لإدارة المخاطر وتوسيع مسارح الاشتباك.
​تستند هذه الاستراتيجية إلى تشابك معقد بين القدرات الصاروخية الباليستية، والعمق الإقليمي، والغموض النووي المدروس، لتشكل منظومة متكاملة تهدف إلى رفع كلفة أي مواجهة شاملة إلى حد يجعلها “غير قابلة للحساب” في دهاء الجيوسياسية المعاصرة.
​أولاً: الأصول والمحفزات الاستراتيجية
​تطورت عقيدة الردع الإيرانية عبر مسار طويل من الاحتكاك المستمر مع التهديدات الخارجية، لا سيما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما أعقبه من بيئة إقليمية ضاغطة. أدركت القيادة الإيرانية أن الجيش النظامي التقليدي -المكبّل بعقوبات تسليح طويلة الأجل- لا يمكنه مجاراة التفوق التقني والعسكري الغربي أو الإسرائيلي.
​من هنا، انبثقت الحاجة الملحة إلى عقيدة “الردع غير المتكافئ“، والتي تطورت لاحقاً بفعل التجاذبات الميدانية والسياسية إلى “الردع النشط“; وهو نهج لا يقتصر على امتلاك السلاح، بل يعتمد على المبادرة في إدارة خطوط التماس، ونقل المعركة إلى ساحات الخصم الاقتصادية والجيوسياسية قبل أن تلامس الحدود الإيرانية المباشرة.
​ثانياً: ركائز هندسة “الردع النشط”
​تتأسس استراتيجية الردع النشط لطهران على أربع دعامات رئيسية تتكامل فيها الأدوات العسكرية، والاقتصادية، والسياسية:
​الترسانة الصاروخية والمسيرات (الردع الصاروخي الموزع):
تعتمد طهران على بنية تحتية عسكرية عميقة وتحت الأرض (مدن الصواريخ) تضمن استمرارية الرد حتى في حال تعرضها لضربات استباقية. هذا التوزيع الميداني والاعتماد على منظومات الوقود الصلب والصلب المطور يمنحها قدرة ردع جراحية تستهدف القواعد والمصالح الحيوية للخصوم في المنطقة.
​حرب الشبكات والعمق الإقليمي (الدفاع المتقدم):
تستثمر إيران استراتيجياً في شبكة حليفة متماسكة ضمن ما يُعرف بـ “حور المقاومة“، حيث تُدار هذه الجبهات كخط دفاع متقدم ومسارح اشتباك لامركزية. تمنح هذه الشبكات طهران ميزة “الإنكار المبرر” وإطالة أمد أي صراع محتمل، مما يحول دون تمركز الحرب على الأراضي الإيرانية وحدها ويجعل أمن الإقليم مرتبطاً باهتزاز الاستقرار العام.
​الغموض النووي الانتقائي:
في إدارة ملفها النووي، تتبنى إيران هامشاً متقدماً من التراكم التقني والتكنولوجي الذي يتيح لها البقاء على عتبة القدرة العسكرية النووية دون إعلان كسر القواعد رسمياً. يمثل هذا الغموض صمام أمان رادعاً، إذ يرفع قلق الخصوم الدوليين والإقليميين من التحول المفاجئ، مما يجبرهم على حساب خطواتهم بحذر شديد لتجنب الانزلاق نحو حرب كبرى.
​الاقتصاد المقاوم وإدارة الحصار:
في مواجهة منظومة العقوبات الاقتصادية القصوى، تسعى استراتيجية الردع النشط إلى تحصين الجبهة الداخلية عبر توطين الصناعات الحيوية وتفعيل الشיתات التجارية والإستراتيجية الكبرى مع قوى كبرى (مثل روسيا والصين)، لتقويض فاعلية الحصار وجعله ورقة غير حاسمة في تركيع القرار السيادي الإيراني.
​ثالثاً: التحديات والاختبارات الميدانية
​لا تخلو استراتيجية الردع النشط من تحديات هيكلية؛ فقد واجهت العقيدة الإيرانية اختبارات قاسية وتحولات دراماتيكية في بعض الساحات الإقليمية (مثل سوريا ولبنان) نتيجة الضربات الإسرائيلية المتتالية والتغيرات الجيوسياسية الحادة، مما دفع طهران إلى إعادة هيكلة أوراقها الأمنية وضبط إيقاع اشتباكاتها تفادياً لاستنزاف غير مبرر.
​إضافة إلى ذلك، فإن توظيف هذه الاستراتيجية في أوقات الذروة -مثل مواسم التجاذب السياسي الداخلي في الولايات المتحدة أو الاستحقاق الانتخابي النصفـي- يعتمد على تكتيك رفع الكلفة السياسية والاقتصادية للخصوم (عبر التهديد بأمن الطاقة والملاحة الإقليمية) لدفعهم نحو طاولة المفاوضات بشروط قريبة من الرؤية الإيرانية.
​خاتمة
​تظل استراتيجية الردع النشط بالنسبة لطهران العقيدة الحاكمة التي توازن بين طموحات النفوذ الإقليمي وإكراهات البقاء في بيئة دولية عدائية. ومن خلال مزج الدبلوماسية الخشنة بالقدرات غير المتكافئة، تنجح طهران مراراً في تحويل التهديدات الوجودية إلى فرص تفاوضية، تاركةً المنطقة في حالة دائمة من “لا حرب ولا تسوية شاملة“، إلى أن يبتكر النظام الدولي معادلة أمنية جديدة في الشرق الأوسط.

تتعزز “استراتيجية الردع النشط” لطهران عبر أدوات إضافية تشمل الحرب السيبرانية، الدبلوماسية الإقليمية، وتأمين سلاسل الإمداد الاستراتيجية.
​الحرب السيبرانية والاستخباراتية: تُوظف طهران قدرات متقدمة في الاختراق والهجمات السيبرانية الموجهة ضد البنى التحتية الحيوية للخصوم (كالطاقة والأنظمة المالية والمنشآت الحكومية) كذراع ردع غير مباشر ومكلف للطرف الآخر.
​الدبلوماسية الإقليمية الموازية: تعتمد إيران على سياسة “صفر مشاكل مع الجيران” بالتوازي مع الحفاظ على أذرع الردع، وذلك لتخفيف وطأة العزلة الدبلوماسية وفتح قنوات حوار تسهم في امتصاص الضغط الدولي.
​تأمين العمق اللوجستي: التركيز على الممرّات التجارية البرية والبحرية الحيوية، والربط الاستراتيجي مع طرق التجارة الآسيوية الكبرى لتقليل تأثير أي عقوبات اقتصادية مستقبلية وتثبيت دورها الجيوسياسي.

على الاستراتيجيات ستعتمد طهران في مواجهة أي عدوان أمريكي محتمل عليها؟

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة أي عدوان أمريكي محتمل على عقيدة “الحرب غير المتكافئة طويلة الأمد“، بهدف كسر تفوق القوة الغربية وحرمانها من تحقيق نصر خاطف ومحاسبته.
​أولاً: أركان العقيدة الدفاعية والاستراتيجية لطهران
​التحول نحو الحرب طويلة الأمد واستنزاف الإرادة السياسية:
تدرك المؤسسة العسكرية والأمنية في طهران أن الدخول في حرب تنافسية تقليدية مباشرة مع الترسانة الأمريكية يعد خياراً غير متكافئ. لذلك، ترتكز الاستراتيجية على إطالة أمد الصراع وتحويله إلى نزيق مستنزف يرفع التكاليف الاقتصادية والبشرية والسياسية أمام واشنطن، مما يدفع صانع القرار الأمريكي أو الإدارة الحاكمة إلى التراجع تحت ضغط الرأي العام الداخلي والخسائر المتراكمة.
​الرد الشامل وتوسيع دائرة المسؤولية (إلغاء الفصل بين واشنطن وتل أبيب):
تؤكد الأدبيات العسكرية الإيرانية أن أي عدوان تنفذه إسرائيل بتنسيق أو غطاء أمريكي سيُقابل برد استراتيجي شامل تستهدف فيه القوات الإيرانية القواعد والمصالح الأمريكية بشكل مباشر، بغض النظر عن الطرف المباشر المبادر بالضربة الأولى.
​إدارة الخزين الاستراتيجي وتحصين البنى التحتية:
تعلمت القيادة الإيرانية دروساً عميقة من المواجهات السابقة؛ حيث جرى توسيع وتطوير شبكات الإنتاج والمنصات الصاروخية تحت الأرض وفي المدن الصناعية المحصنة، فضلاً عن الحفاظ على مخزون واسع من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لضمان استمرارية القتال أينما تعرضت منظومات الإطلاق للتدمير.
​ثانياً: أدوات الضغط الميداني والاقتصادي
​أمن الطاقة وكسر سلاسل الإمداد العالمية:
تعتبر طهران أن شريان الطاقة العالمي هو الورقة الأشد فاعلية للضغط المضاد. فأي مغامرة عسكرية غربية في الخليج ستنعكس بصورة مدمرة على أسواق النفط والغاز العالمية وتسبب قفزات غير مسبوقة في الأسعار، عبر ملاحقة حركة الملاحة في الممرات الحيوية ومضيق هرمز والبحار المجاورة، وفرض وقائع أمنية جديدة على السفن المرتبطة بالمصالح الغربية.
​استهداف شبكة القواعد والارتكازات الإقليمية:
تتعامل إيران مع شبكة القواعد الأمريكية المنتشرة في المحيط الإقليمي بوصفها نقاط ضعف تقع بالكامل تحت مرمى ترسانتها الصاروخية، وليست قلاعاً حصينة؛ وعليه فإن الرد الإيراني سيسعى إلى شل قدرة تلك القواعد على العمل كمنصات انطلاق لأي عدوان جديد.
​ثالثاً: احتمالية الضربات الاستباقية وتغيير القواعد
​إلى جانب خيارات الدفاع ورد الفعل، تبرز في الفكر الاستراتيجي الإيراني المعاصر نقاشات جادة حول الضربة الاستباقية فيما لو توافرت مؤشرات قطعية ودلائل استخباراتية على أن واشنطن وتل أبيب بصدد شن هجوم وشيك، وذلك لتعطيل عنصر المفاجأة لدى الخصم ومفاجأته بتشتيت تركيزه العملياتي منذ اللحظة الأولى للمعركة.

وفي الحتام يمكننا القول من  استراتيجية الردع النشط بالنسبة لطهران تظل العقيدة الحاكمة التي توازن بين طموحات النفوذ الإقليمي وإكراهات البقاء في بيئة دولية عدائية. ومن خلال مزج الدبلوماسية الخشنة بالقدرات غير المتكافئة، تنجح طهران مراراً في تحويل التهديدات الوجودية إلى فرص تفاوضية، تاركةً المنطقة في حالة دائمة من “لا حرب ولا تسوية شاملة“، إلى أن يبتكر النظام الدولي معادلة أمنية جديدة في الشرق الأوسط.