الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

آلاء حسين.. حرية الفنان وشجاعة الالتزام بالمبدأ..!

منذ ساعة واحدة
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

 

ليست القضية التي أثارتها الفنانة العراقية آلاء حسين مجرد خلاف حول موقف سياسي أو ديني اتخذته فنانة معروفة، وإنما هي قضية أعمق تتعلق بحرية الإنسان، وحقه في امتلاك عقيدة ومبدأ وقضية يؤمن بها ويدافع عنها، ومدى استعداد المجتمع لاحترام هذا الحق حتى عندما يختلف مع صاحبه. وهي، من هذه الزاوية، مناسبة لاختبار مستوى الوعي الحضاري في مجتمعنا، ومدى قدرته على التمييز بين الاختلاف المشروع في الرأي وبين محاولات فرض الوصاية الفكرية والأخلاقية على الآخرين.
لقد لفت انتباهي في موقف آلاء حسين جانبان يستحقان التقدير والتأمل: أولهما تمسكها بحقها في التعبير عن قناعاتها بحرية، وثانيهما إصرارها على أن تكون فنانة صاحبة مبدأ وقضية، لا تتخلى عنهما تحت ضغط الانتقادات أو خشية خسارة الشعبية والقبول الاجتماعي.
أولاً، حرية الفنان ليست منحة من الجمهور. فالفنان، قبل أن يكون شخصية عامة، إنسان يتمتع بالحقوق والحريات نفسها التي يتمتع بها سائر المواطنين، بما فيها حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير واتخاذ المواقف. وليس مطلوباً منه أن يتبنى القناعات التي ترضي جمهوره، أو أن يغير مواقفه كلما تغير اتجاه الرأي العام. ومن حق الناس أن يختلفوا معه ويناقشوا أفكاره وينتقدوا مواقفه، لكن ليس من حقهم أن يصادروا حريته أو يحولوا اختلافهم معه إلى حملة للإساءة والتشهير والإقصاء.
إن الحرية الحقيقية لا تُختبر عندما نتفق، وإنما عندما نختلف. فمن السهل أن ندافع عن حرية من يشاركنا أفكارنا، ولكن الامتحان الحضاري يبدأ عندما نكون مطالبين باحترام حرية من يخالفنا في العقيدة أو الرأي أو الموقف السياسي.
ثانياً، الفنان ليس كائناً بلا عقيدة أو قضية. فالفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، ولا ينبغي أن يتحول الفنان إلى شخصية محايدة أخلاقياً وفكرياً، لا همّ لها سوى المحافظة على شعبيتها. لقد عرف التاريخ فنانين كباراً ارتبطت أعمالهم ومواقفهم بقضايا الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والتحرر الوطني، ولم يكن التزامهم بهذه القضايا انتقاصاً من قيمتهم الفنية، بل كان في كثير من الأحيان مصدراً من مصادر عظمتهم وتأثيرهم.
ومن هذه الزاوية، فإن إصرار آلاء حسين على إعلان قناعاتها، وعدم التراجع عنها لمجرد تعرضها للانتقاد، يعبر عن استقلالية شخصية تستحق الاحترام، بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع مضمون تلك القناعات. فالمبدأ الذي يتخلى عنه الإنسان عند أول امتحان لم يتحول بعد إلى التزام راسخ في شخصيته.
غير أن الالتزام بالمبدأ لا يعني العصمة من الخطأ، ولا يجعل صاحبه فوق النقد والمساءلة الفكرية. فالشجاعة في الدفاع عن القناعة فضيلة، ولكنها تكتمل بالاستعداد لمراجعتها عندما تظهر أدلة أقوى أو تتكشف نتائج تستدعي إعادة النظر.
ثالثاً، العقيدة والوطن ليسا بالضرورة طرفين متعارضين. ولعل أكثر ما استوقفني في كلام آلاء حسين إشارتها إلى أن العقيدة هي التي حمت الوطن عندما تعرض للخطر. وأفهم من هذه العبارة، في سياقها العراقي، أنها تشير إلى اللحظة التاريخية التي واجه فيها العراق خطر تنظيم داعش بعد سقوط الموصل ومحافظات ومناطق أخرى عام 2014، وما أعقب ذلك من صدور فتوى الدفاع الكفائي عن المرجع الديني السيد علي السيستاني.
لقد كان العراق يومذاك أمام خطر وجودي حقيقي، ولم يكن التهديد مقتصراً على سلطة سياسية أو حكومة قائمة، بل امتد إلى الدولة والمجتمع والتنوع الديني والمذهبي والقومي، وإلى حياة الملايين من المواطنين ومستقبلهم.
وفي تلك اللحظة، تحولت العقيدة الدينية لدى أعداد كبيرة من العراقيين إلى قوة تعبئة واستعداد للتضحية دفاعاً عن الوطن. وكان لفتوى الدفاع الكفائي أثر تاريخي بالغ الأهمية في استنهاض الإرادة الشعبية وتعزيز الجهد الوطني لمواجهة داعش، إلى جانب الدور الحاسم الذي أدته القوات المسلحة العراقية بمختلف تشكيلاتها، والقوى التي شاركت في المعارك، والدعم الدولي الذي أسهم في تحقيق النصر.
ولا يصح علمياً أو تاريخياً اختزال الانتصار على داعش في عامل واحد، ولكن من الخطأ أيضاً تجاهل الدور الكبير الذي أدته العقيدة الدينية والمرجعية والفتوى في تلك المرحلة المصيرية.
وهنا تظهر حقيقة مهمة من منظور الفلسفة الحضارية: إن قيمة العقيدة لا تتحدد بمجرد إعلان الإيمان بها، وإنما بما تنتجه من أفعال وقيم في الواقع. فإذا دفعت الإنسان إلى حماية الحياة وصيانة الكرامة والدفاع عن الوطن ومساعدة الآخرين، فإنها تتحول إلى قوة إيجابية في البناء الحضاري. أما إذا تحولت إلى أداة للتعصب والكراهية والعدوان وإلغاء الآخر، فإنها تفقد هذه الوظيفة الحضارية، مهما كانت الشعارات التي ترفع باسمها.
رابعاً، لا تناقض ضرورياً بين تشرين وفتوى الدفاع الكفائي. وقد أثار بعض المنتقدين مسألة تأييد آلاء حسين لاحتجاجات تشرين، في مقابل موقفها المؤيد للحشد الشعبي وتضحياته في مواجهة داعش، وكأن الإنسان ملزم بالاختيار بين الموقفين.
وهذا، في تقديري، خلط بين قضيتين مختلفتين في الموضوع والغاية والظروف التاريخية.
فاحتجاجات تشرين عام 2019 كانت، في جوهر مطالبها الإصلاحية، تعبيراً عن رفض الفساد وسوء الإدارة والمحاصصة وتراجع الخدمات وضعف مؤسسات الدولة، ومطالبة بإصلاح النظام السياسي واستعادة فاعلية الدولة وسيادتها. أما التعبئة التي أعقبت فتوى الدفاع الكفائي عام 2014، فقد كانت استجابة لخطر عسكري وإرهابي هدد وجود الدولة والمجتمع.
ومن الممكن تماماً أن يؤيد المواطن الدفاع عن العراق في مواجهة داعش، وأن يؤيد في الوقت نفسه إصلاح الدولة ومحاسبة الفاسدين وحماية المتظاهرين السلميين. بل إن الموقفين يمكن أن يلتقيا عند مبدأ واحد، هو أن الوطن يستحق الحماية من الأخطار الخارجية والداخلية، وأن الدولة التي ندافع عن وجودها ينبغي أن تكون دولة عادلة وكفوءة تحترم مواطنيها.
والاعتراف بتضحيات المقاتلين في مواجهة داعش لا يعني منح أي مؤسسة أو قوة سياسية حصانة من النقد أو المساءلة، كما أن تأييد تشرين لا يعني إنكار التضحيات التي قُدمت دفاعاً عن العراق.
خامساً، الالتزام الحقيقي ينبغي أن يكون للوطن والإنسان والقيم العليا. ومن هنا أميز بين العقيدة بوصفها مصدراً للدافع الأخلاقي، وبين تحويل العقيدة إلى معيار حصري للوطنية. فقد دافع عن العراق في مواجهة داعش مواطنون من خلفيات دينية ومذهبية وقومية متعددة، كما أن الانتماء إلى الوطن والالتزام بحمايته لا يتوقفان على اعتناق عقيدة دينية بعينها.
إن الوطن يتسع للمؤمن وغير المؤمن، وللمتدين وغير المتدين، ولجميع المواطنين على اختلاف هوياتهم. وتكمن القيمة الحضارية للعقيدة حين تسهم في تعزيز هذا الانتماء الوطني المشترك، لا حين تتحول إلى وسيلة لاحتكار الوطنية أو تقسيم المواطنين إلى درجات متفاوتة في الولاء.
وفي فلسفة الدولة الحضارية الحديثة، لا يُقاس المواطن بهويته الدينية أو المذهبية أو السياسية، وإنما بمدى التزامه بالقيم العليا، واحترامه القانون، ومساهمته في إنتاج القيمة العامة وتقليل الهدر، وصيانة كرامة الإنسان وحقوقه.
سادساً، احترام حرية الفنان جزء من احترام التعددية في المجتمع. فالمجتمع المتحضر ليس مجتمعاً يتفق جميع أفراده في العقائد والأفكار والمواقف، وإنما هو المجتمع الذي يستطيع إدارة اختلافاته سلمياً، وتحويل تنوعه إلى مصدر غنى وقوة، بدلاً من تحويله إلى سبب للانقسام والعداء.
ولذلك فإنني أدافع عن حق آلاء حسين في موقفها، مثلما أدافع عن حق الفنان الذي يتخذ موقفاً معاكساً تماماً. ولا أرى أن من حق أحد مطالبة الفنان بالتخلي عن عقيدته أو قناعاته السياسية مقابل السماح له بممارسة فنه أو الاحتفاظ بمكانته الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن حرية آلاء حسين لا يعني تبني جميع مواقفها أو تأييد كل الجهات التي تعبر عن تقديرها لها، وإنما يعني الدفاع عن قاعدة حضارية عامة ينبغي أن تسري على الجميع بلا استثناء.
إن ما يهمني في هذه القضية ليس الدخول في سجال حول مناسبة بعينها، وإنما تأكيد حق الإنسان في أن يكون صاحب موقف، وحق الفنان في أن يكون صاحب قضية، وحق المجتمع في مناقشة هذه المواقف دون أن يتحول الاختلاف إلى عدوان على الكرامة الشخصية.
ومن هنا أرى أن آلاء حسين قدمت، بموقفها وإصرارها على التعبير عن قناعاتها، مناسبة مهمة لإعادة التفكير في معنى الحرية والالتزام والمواطنة. فقد نختلف مع الفنان في قناعاته، لكننا ينبغي أن نحترم حقه في امتلاكها والدفاع عنها، كما ينبغي أن نقدر استقلاليته حين يرفض أن يجعل رضا الجمهور بديلاً عن ضميره.
فالمجتمع الحضاري لا يصنع مواطنين بلا قناعات، ولا فنانين بلا قضايا، وإنما يصنع فضاءً حراً يستطيع فيه الإنسان أن يكون وفياً لمبادئه، وأن يحترم في الوقت نفسه حق الآخرين في الاختلاف معه.
وهذا، في نهاية المطاف، هو الامتحان الحقيقي للحرية والتعددية والنضج الحضاري.