شكراً آلاء حسين… ما قصّرتِ.. حين يُحاكم الموقف بميزان الطائفية..!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي ||
كاتب في الشأن العراقي

لم تكن آلاء حسين بحاجة إلى كل هذا الضجيج لتثبت عراقيتها، ولا كان حضورها في المستشارية الثقافية الإيرانية في بغداد حدثاً يستوجب أن تُنصب لها محاكم التفتيش على منصات التواصل الاجتماعي. فالفنانون شأنهم شأن المثقفين والأكاديميين وسائر أبناء المجتمع يتلقون الدعوات من مؤسسات ثقافية وسفارات مختلفة، وتظل المشاركة في هذه الفعاليات ما دامت في إطارها المشروع شأناً لا يجوز تحويله إلى تهمة ولا اتخاذه ذريعة لمصادرة حق الإنسان في التعبير عن موقفه.
لكن المشكلة في العراق ليست دائماً في المواقف ذاتها بل في العيون التي تنظر إليها والعقول التي تتولى تفسيرها وفي تلك الأدلجة الطائفية والقومية المريضة التي باتت تضع الإنسان في قفص الاتهام قبل أن تسمع منه وتحاكمه بهويته قبل أن تنظر إلى جوهر موقفه. فما إن يصدر موقف لا ينسجم مع التصنيفات الجاهزة حتى تستنفر الجحوش الإلكترونية وتُستخرج دفاتر الاتهام ويبدأ توزيع صكوك الوطنية والخيانة وكأن العراق لا يتسع إلا لمن يفكر بالطريقة التي يريدها أصحاب الأصوات الأعلى.
شكراً آلاء حسين لأنك وضعتِ الموقف الإنساني في مواجهة امتحان الاصطفاف الأعمى.
إن التضامن مع الضحايا والإنصاف لمن يدفعون أرواحهم ثمناً للحروب لا ينبغي أن يخضعا لبطاقة هوية مذهبية أو قومية ولا لجواز سفر الدولة التي ينتمي إليها الضحية. فالحق لا يصبح حقاً لأن صاحبه من جماعتنا ولا يتحول إلى باطل لأن صاحبه ينتمي إلى جماعة نختلف معها. وإذا كنا نريد لمجتمعاتنا أن تتجاوز دوامات الكراهية فعلينا أن نتعلم كيف نفصل بين موقفنا من سياسات الدول وبين حق الإنسان في التضامن مع الضحايا وكيف نميز بين الاعتراض السياسي المشروع وبين العداء الذي يتخذ من السياسة ستاراً لتصفية الحسابات والهجوم على الآخرين.
وليس معنى ذلك أن نمنح إيران أو غيرها حصانة من النقد أو أن نتجاهل ما خلّفته الحرب العراقية الإيرانية من مآسٍ وجراح. إن الإنصاف لا يقتضي نسيان التاريخ مثلما أن استحضار التاريخ لا يمنح أحداً حق احتكار الحقيقة أو مصادرة الضمائر. نستطيع أن نختلف مع دولة في سياساتها وأن ننتقد ممارساتها وأن نتمسك باستقلال القرار العراقي وفي الوقت نفسه نرفض الاعتداء على شعبها وننحاز إلى حق الإنسان في الحياة والأمن والكرامة.
هذه هي المسافة الفاصلة بين الوطنية الواعية والتعصب الأعمى. فالوطنية ليست أن نكره بالنيابة عن الآخرين ولا أن نختار ضحايانا وفق هوياتهم بل أن نمتلك معياراً أخلاقياً واحداً لا يتغير بتغير الجهة التي تقع عليها المأساة.
ولمن يرفعون شعار الحياد حين يتعلق الأمر بطرف ثم يتخلون عنه حين يتعلق الأمر بطرف آخر نقول إن الذاكرة العراقية ليست صفحة بيضاء يمكن إعادة كتابتها وفق مقتضيات الخصومة السياسية. لقد عاش العراقيون الحصار وما خلّفه من حرمان وانكسار وعاشوا الحروب وما تركته من موت ودمار وذاقوا مرارة التدخلات الخارجية أياً كانت مصادرها. ومن حقهم أن يقرأوا تاريخهم بعقول مستقلة لا بعقول مستعارة وأن يحددوا مواقفهم من الأحداث وفق معاييرهم الوطنية والإنسانية لا وفق ما تمليه عليهم خرائط الاستقطاب الإقليمي.
ومن هنا فإن استدعاء مواقف آلاء حسين السابقة ولا سيما مواقفها المرتبطة باحتجاجات تشرين لا ينبغي أن يتحول إلى حبل يُراد به خنقها سياسياً وأخلاقياً. فمن حق الجمهور أن يسأل عن مدى الانسجام بين المواقف ومن حقه أن يناقش ما يراه تناقضاً لكن ليس من حقه أن يفرض على الإنسان سجناً أبدياً من تصريحاته السابقة أو أن يطالبه بالتخلي عن ضميره في كل مرة تتغير فيها الظروف وتتعدد فيها زوايا النظر.
إن الوفاء لمطالب تشرين لا يتعارض بالضرورة مع إنصاف ضحايا آخرين مثلما أن رفض الظلم في العراق لا يستلزم الصمت عن الظلم في مكان آخر. فالإنسان الذي يؤمن بالحق لا يقسّمه بحسب الجغرافيا ولا يجزّئ كرامة الضحايا بحسب انتماءاتهم. وإذا كانت آلاء قد اختارت أن تعبّر عن موقفها بالطريقة التي تراها منسجمة مع قناعاتها فإن الرد عليها يكون بمناقشة موقفها لا بمحاولة إلغاء تاريخها الفني والإنساني ولا بتسليط حملات الإساءة عليها.
وما يستحق التوقف عنده أيضاً أن بعض الذين يتصدرون المشهد العام يحرصون على إخفاء قناعاتهم أو التعبير عنها بأصوات خافتة خشية أن يتحملوا كلفة الوضوح فيما اختارت آلاء حسين أن تكون واضحة في ما تعتقده وأن تواجه تبعات موقفها علناً. وليس المقصود أن الإعلان عن الانتماء العقدي فضيلة بحد ذاته أو أن الانتماء يمنح صاحبه أفضلية على غيره. فالإيمان شأن شخصي والناس متساوون في حقوقهم مهما اختلفت معتقداتهم. لكن الفارق يكمن في أن يتحمل الإنسان مسؤولية ما يعلنه وألا يطالب الآخرين بأن يدفعوا ثمن قناعاتهم لمجرد أنها لا توافق أهواءه.
إننا لا نحتاج إلى تحويل آلاء حسين إلى رمز فوق النقد ولا إلى مطالبة الجميع بتبني موقفها. ما نحتاج إليه هو الدفاع عن حقها في أن تكون إنسانة عراقية كاملة الحقوق وفنانة لها تاريخها ومواطنة لها قناعاتها لا تُسلب مكانتها لأنها اختارت موقفاً لم يرضَ عنه هذا الفريق أو ذاك.
لقد دخلت آلاء بيوت العراقيين عبر أعمالها الفنية ولامست مشاعرهم بأدوارها وأضحكتهم وأبكتهم وأسهمت في تشكيل ذاكرة فنية يعرفها جمهور واسع. ومن الظلم أن يُختزل هذا التاريخ كله في موقف واحد أو أن يصبح اسمها مادة للتشهير لأن بعضهم قرر أن يضعها في خانة سياسية أو طائفية لا يريد لها أن تغادرها.
الفنان ليس ملكاً لمن يصفق له ولا أسيراً لتوقعات جمهوره. إنه إنسان قبل أن يكون فناناً ومن حقه أن يخطئ ويصيب وأن يراجع ويصرّح وأن يختلف مع هذا الطرف أو ذاك. أما الجمهور فله أن يقبل أو يرفض وأن يناقش أو ينتقد لكن ضمن الحدود التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقه في الاختلاف.
شكراً آلاء حسين لأنك ذكّرتِنا بأن المواقف لا تُقاس بعدد المصفقين وأن الحق لا يحتاج إلى إذن من جمهور الغاضبين كي يُقال.
شكراً لأنك وضعتِنا أمام سؤال أكبر من مناسبة ثقافية أو تكريم فني. هل نريد عراقاً يحكم فيه الناس على بعضهم بمعيار المواطنة والإنسانية أم عراقاً يوزع فيه المتعصبون شهادات الوطنية وفق الولاء والخصومة؟
إن العراق الذي نطمح إليه لا يُبنى بإسكات المختلفين ولا بتخويف النساء والفنانين والمثقفين ولا بتحويل كل مناسبة إلى معركة طائفية أو قومية. يُبنى حين يصبح الاختلاف أمراً طبيعياً وحين يكون النقد حواراً لا اغتيالاً معنوياً وحين ندرك أن كرامة العراقي لا تتوقف عند حدود مذهبه أو قوميته أو رأيه السياسي.
أما تلك الأفواه التي تتسابق إلى الإساءة وتستبدل الحجة بالشتيمة والوعي بالتعليب والاختلاف بالتخوين فإنها لا تنتصر لقضية بل تكشف عن أزمة في فهم معنى الحرية والوطنية والإنسانية.
ولأننا نؤمن بأن العراق أكبر من هذه الاصطفافات فإننا لا نطالب أحداً بأن يصفق لآلاء حسين بل نطالبه بأن يكون عادلاً معها وألا يجعل اختلافه معها ذريعة للنيل منها. فليس المطلوب أن نتشابه في مواقفنا وإنما أن نتساوى في حقوقنا وأن نحتكم إلى معيار واحد حين نختلف.
شكراً آلاء حسين… ما قصّرتِ.
ليس لأنك مطالبة بأن تكوني على صواب في كل موقف بل لأن من حقك أن تعبّري عن موقفك من دون أن تتحولي إلى هدف لحملة تستبيح كرامتك. وليس لأننا نريد استبدال اصطفاف بآخر بل لأننا نريد عراقاً لا يُعاقَب فيه الإنسان على رأيه ولا تُصادَر فيه إنسانيته باسم الطائفة أو القومية أو السياسة.
فحين يصبح الاختلاف ذريعة للتشهير يصبح الدفاع عن حق الإنسان في التعبير ضرورة لحماية المجتمع من الانغلاق والتعصب.
شكراً آلاء… لقد كان لكِ موقف وللآخرين أن يختلفوا معه لكن ليس لأحد أن ينتزع منكِ حقكِ في أن تكوني أنتِ.




