الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

هندسة الوعي الاستراتيجي في زمن السقوط: حين تتلاقى سيادة صنعاء مع وفاء طهران..!

منذ ساعة واحدة
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

أ. محمد البحر المحضار ||

 

 

 

السيادة ليست شعاراً يرفرف في مهب الريح، بل هي عقيدة قرار تُصاغ في محراب الدم والكرامة.
والتحالف ليس ارتهاناً لمن يصنع الفارق، بل هو شرف الالتصاق بمن صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

حين تتأمل المشهد السياسي الراهن، تبرز أمامك تساؤلات ملحة تفرض نفسها بقوة التحليل وعمق الواقع:
هل أدرك المرجفون حقاً الفرق بين “التحالف الندي المستقل” وبين “الارتهان المخزي”؟
وكيف لمن يرتدي لباس العروبة والوطنية أن يقع في فخ إنكار الجميل ومقايضة الكرامة بالصمت خوفاً من لومة لائم؟
ولماذا يعجز البعض عن تفكيك معادلة دقيقة تثبت أن استقلالية القرار اليمني لا تناقض أبداً الاعتراف بفضل الحليف وسنده؟
أليس من المفارقة أن يمارس البعض جلد الذات وإنكار التضحيات، متجاهلين أن الوفاء للداعم هو عين الوفاء للذات، وأن الجحود ليس سوى وجه آخر للخذلان؟

حين يُكتب التاريخ بمداد المواقف الصادقة، تسقط كل الأقنعة وتبقى الثوابت راسخة كالجبال.
إن قراءة الواقع السياسي والعسكري بمنظور محنك واستراتيجي تتطلب منا أن نضع النقاط على الحروف بدقة مركزة، بعيداً عن إفراط التابعين وتفريط الجاحدين، وبما يحقق قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.

هنا تتجلى الحقيقة ناصعة؛ فقرار صنعاء يمني الصنع والهوى، ينبع من إرادة شعب أسطوري خُتمت بدمائه وعرقه، وسيادتنا الوطنية خط أحمر مطلق لا تقبل المساومة ولا التنازل ولا الاختراق من أي كائن كان.
نحن أحرار لا نرضى بالارتهان لأحد، وقرارنا مستقل بذاته لا يأتمر بأمر الخارج.
وفي المقابل، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة عظمى ذات سيادة مبدئية، ومن صلب سياساتها الحكيمة والراقية أنها ترفض ممارسة الوصاية على أي طرف، ولا تفرض شروطاً أو قيوداً مقابل دعمها؛ فهي تقدم إسناداً مطلقاً وغير مشروط لكل أحرار الأمة وشرفائها.

إن العلاقة التي تربطنا بطهران الشقيقة ليست علاقة تابع ومتبوع، بل هي علاقة إخوة أطهار، وحلفاء أنداد، يجمعنا مصير واحد، وسهْم واحد، وساحة شرف واحدة في محور المقاومة، وعدو مشترك يتربص بالجميع.
ومن منطلق الشريعة الإسلامية الغراء التي تحثنا على “التعاون على البر والتقوى” ونصرة المستضعفين، ومن منطلق الواجب الإنساني والديني، فإن إيران لم تقصر يوماً، بل مدت يد العون والدعم السخي لكل مقاوم وحر في اليمن وفلسطين لبنان والعراق وسوريا، بل وحتى لأحرار خارج العالم الإسلامي ممن يرفضون الهيمنة والغطرسة الأمريكية والصهيونية كفنزويلا.

وحين نقيس هذا النموذج الراقي بميزان الواقع، تتكشف المفارقة العظمى وتتضح الهوة السحيقة بين من يدعم بلا ثمن ومن يستعبد بثمن؛ فما يقدمه التحالف السعودي الإماراتي للمناطق المحتلة لم يكن سوى مسلسل طويل من الذل والمهانة والوصاية الفجة.
لقد وصل بهم الأمر إلى الحد الذي تُعين فيه القيادات السياسية والرئاسية والعسكرية من غرف الرياض وأبوظبي وواشنطن، وأصبحت حكومتهم الشكلية وأدواتهم العسكرية تدار من فنادق الشتات والخليج بلا سيادة ولا قرار.
بل وصل بهم البخل والإذلال إلى حرمان أدواتهم من أي سلاح استراتيجي أو ثقيل، طيران أو صواريخ متقدمة، محتفظين باحتكار السلاح والسلطة لأنفسهم، بينما لا تقدم الرياض وأبوظبي سوى القيود والشروط والتبعية المهينة.

بينما تمنحنا إيران الدعم السخي دون المساس بحبة تراب من سيادتنا أو التدخل في قرارنا، يفرض التحالف السعودي الأمريكي الوصاية المطلقة والامتهان المتعمد.
ومن هنا تظهر بجلاء خسة المقارنة وعظمة الحقيقة.
لذلك، فإن إنكار هذا الدعم والإسناد الإيراني السخي —سواء خوفاً من تهمة الارتهان المزعومة أو تكبراً وغروراً— هو سلوك مخزي ومهين ينطوي على جحود للجميل وعمى بصيرة سياسي.
أما الشجعان والأحرار، وفي مقدمتهم قائد الثورة والمسيرة القرآنية سماحة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي (حفظه الله)، فلا تأخذهم في الحق لومة لائم؛ فهم يوضحون دائماً طبيعة هذا التحالف الندي والأخوي بعيداً عن أي وصاية، وفي الوقت ذاته، بكل شجاعة ووضوح، يوجهون أسمى آيات الشكر والامتنان والعرفان للجمهورية الإسلامية في إيران على ما قدمته، وما تقدمه، وستقدمه من دعم استثنائي لا محدود.

#أما_بعد …
نحن نتمسك بسيادتنا كاملة غير منقوصة، ونرفض الارتهان رفضاً قاطعاً، وفي ذات المقابل نرفع هاماتنا فخراً واعترافاً بالفضل لأهله، مؤكدين أن الوفاء للداعمين هو عنوان الرجال الأوفياء في معركة الأمة الكبرى ضد قوى الاستكبار والغطرسة العالمية.
#رفعت_الجلسة …

#البحر_المحضار …