الاثنين - 26 اكتوبر 2026

العنف المجتمعي في العراق.. من المسؤول عن صناعة الخوف؟!

منذ 27 ثانية
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

د. مروه عبد الرحمن ||
اكاديمية / عضو مركز الرقيب للدراسات

 

 

لماذا أصبح خلاف بسيط قادراً على التحول إلى جريمة؟ ولماذا يلجأبعض الأفراد إلى التهديد والعنف بدلاً من القانون؟ وهل ما يشهده المجتمع العراقي مجرد سلوكيات فردية أم مؤشر على اختلال أعمق في منظومة الأمن الاجتماعي وإدارة المؤسسات؟

إن مناقشة العنف المجتمعي لا ينبغي أن تتوقف عند إدانة الجريمة أوالمطالبة بتشديد العقوبات لأن السؤال الأهم يتعلق بقدرة الدولة على منع العنف قبل وقوعه وليس الاكتفاء بالتدخل بعد سقوط الضحايا

فالعنف لا يبدأ دائماً بالسلاح أو الاعتداء الجسدي بل قد يبدأ بالتهديدوالتنمر والتحريض والتجاوز على الحقوق ثم يتطور عندما تغيب آليات الردع المبكر أو تتراجع الثقة بقدرة المؤسسات على توفير الحمايةوالإنصاف

أولاً أزمة العنف ليست أمنية فقط بل مؤسسية تتعامل بعض المعالجات التقليدية مع العنف باعتباره مسؤولية الأجهزةالأمنية وحدها بينما تتوزع أسبابه وآثاره بين المؤسسات التعليميةوالقضائية والاجتماعية والاقتصادية.

وهنا يظهر خلل في إدارة السياسات العامة يتمثل في تعدد الجهات المعنية دون وجود منظومة واضحة تربط الوقاية بالتدخل والمحاسبةوقياس النتائج .

فوزارة الداخلية مسؤولة عن إنفاذ القانون ،ووزارة التربية معنية ببناءالسلوك داخل المؤسسات التعليمية والجهات الاجتماعية مسؤولة عن الحماية والرعاية لكن نجاح هذه الأدوار يتطلب تنسيقاً فعلياً لا مجردتوزيع نظري للمسؤوليات.

والسؤال الذي ينبغي طرحه هو من يتحمل مسؤولية تقييم هذه المؤسسات عندما تتكرر أنماط العنف دون معالجة أسبابها؟

ثانياً حين تصبح القوة بديلاً عن القانون
من أخطر التحولات الاجتماعية أن يعتقد الفرد أن التهديد أو النفوذ أواستخدام القوة وسائل أسرع للحصول على الحقوق من اللجوء إلى المؤسسات القانونية.
وهذا الاعتقاد لا يهدد الضحية وحدها بل يضعف الثقة العامة بمبدأالمساواة أمام القانون

فهيبة الدولة لا تتحقق بكثرة الإجراءات الأمنية وإنما بقدرة مؤسساتهاعلى تطبيق القانون بصورة عادلة وسريعة ومنع الإفلات من المساءلة.
ولا يجوز أن تتحول التسويات الاجتماعية أو التدخلات الشخصية إلبديل عن الإجراءات القانونية في الجرائم التي تستوجب المحاسبة لأن ذلك قد يشجع على تكرار الاعتداء ويضعف حماية المتضررين .

ثالثاً البطالة والضغوط الاقتصادية ليست مبرراً للعنف
تؤثر البطالة ، وتراجع القدرة الشرائية والضغوط المعيشية في الاستقرارالأسري والاجتماعي وقد تزيد حدة النزاعات في بعض البيئات لكنهالا تمثل تفسيراً وحيداً للعنف ولا تبرر ارتكابه.
فالربط المباشر بين الفقر والجريمة يظلم شرائح واسعة من المواطنين الذين يواجهون ظروفاً اقتصادية صعبة دون ممارسة العنف.

والمشكلة الحقيقية تكمن في غياب السياسات المتكاملة التي تجمع بين فرص العمل والحماية الاجتماعية والصحة النفسية والتوعية القانونية.
ولهذا فإن معالجة العنف تتطلب فهماً للعوامل التي تزيد مخاطره بدلاًمن اختزاله في الحالة الاقتصادية أو تحميل المجتمع وحده مسؤوليةالظاهرة

رابعاً هل تصنع المؤسسات التعليمية ثقافة الحوار أم تعيد إنتاجالعنف؟
لا يمكن الحديث عن معالجة العنف المجتمعي دون مراجعة دورالمدرسة والجامعة في بناء السلوك.
فالتعليم الذي يركز على التحصيل الدراسي ويهمل مهارات الحواروإدارة الخلاف واحترام الحقوق يفقد جانباً أساسياً من وظيفتها الاجتماعية.

والمطلوب ليس إضافة محاضرات توعوية شكلية بل اعتماد برامج تربوية قابلة للتقييم تتضمن معالجة التنمر والتدخل المبكر وتدريب الملاكات التعليمية على إدارة النزاعات وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ.

كما ينبغي تقييم أداء المؤسسات التعليمية وفق مؤشرات تتعلق بسلامةالبيئة الدراسية والاستجابة للشكاوى والحد من تكرار الاعتداءات وليس الاكتفاء بعدد النشاطات والندوات المنفذة.

خامساً من المسؤول عن صناعة الخوف؟
لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤولية جميع أشكال العنف لأن الظاهرةتتداخل فيها مسؤولية الفرد والأسرة والمؤسسات والمجتمع.
لكن مسؤولية الدولة تختلف عن مسؤولية الأفراد لأنها الجهة المكلفةببناء منظومة الحماية وإنفاذ القانون وتوفير الخدمات الوقائية.

فعندما يتردد المواطن في تقديم شكوى خوفاً من الانتقام أو عندما لايجد المتضرر وسيلة آمنة للحصول على الحماية فإن الأمر يتجاوزالنزاع الفردي ليطرح تساؤلاً عن كفاءة الاستجابة المؤسسية.

ومن هنا فإن معيار نجاح الدولة لا ينبغي أن يقتصر على عدد القضايا المسجلة أو الأشخاص الذين جرى توقيفهم بل يجب أن يشمل سرعةالاستجابة وحماية الضحايا ومنع تكرار الاعتداءات

سادساً ما الذي يحتاجه العراق لمواجهة العنف المجتمعي؟
إن الانتقال من المعالجة التقليدية إلى سياسة وقائية يتطلب إجراءاتتنفيذية محددة ومنها :

1 إنشاء منظومة وطنية موحدة لرصد العنف المجتمعي تربط البيانات المتاحة لدى الجهات الأمنية والقضائية والصحية والاجتماعية معضمان سرية المعلومات وحماية الضحايا.

2 تحديد المناطق والفئات الأكثر تعرضاً للعنف استناداً إلى بيانات موثوقة وتوجيه برامج الوقاية والحماية وفق حجم المخاطر الفعلية.

3 وضع معايير زمنية معلنة للاستجابة لبلاغات التهديد والاعتداءوقياس الالتزام بها دورياً.

4 اعتماد برامج للحد من العنف والتنمر داخل المدارس والجامعات وربط تقييمها بانخفاض تكرار الحوادث وتحسن مستويات الإبلاغ الآمن.

5 تطوير خدمات الإرشاد الأسري والدعم النفسي والاجتماعي وتوفيرآليات حماية فعالة للأشخاص المعرضين للخطر.

6 إصدار تقارير سنوية تقيس معدلات العنف وأنواعه ونتائج التدخلات الحكومية مع التمييز بين زيادة الإبلاغ عن الجرائم وزيادة وقوعها فعلياً.

ولا يمكن الحكم على نجاح هذه الإجراءات بمجرد الإعلان عنها بل بوجود بيانات أساسية ومؤشرات أداء ونتائج قابلة للمراجعة والمساءلة.

إن أخطر ما في العنف المجتمعي ليس وقوع الجريمة وحدها بل اعتيادالمجتمع عليها وتحول الخوف إلى جزء من الحياة اليومية
والمطلوب من الدولة ألا تكتفي بإدارة نتائج العنف ، بل أن تنتقل إلىمعالجة العوامل التي تساعد على انتشاره وأن تجعل حماية المواطن معياراً حقيقياً لكفاءة مؤسساتها.

فالدولة القوية ليست التي تتدخل بعد وقوع الاعتداء فقط بل التي تمتلك مؤسسات قادرة على الوقاية والاستجابة العادلة والمحاسبة الفاعلة.

والسؤال الذي يجب أن يبقى أمام أصحاب القرار ليس كم حادثة عنف تمت معالجتها بل كم حادثة كان بالإمكان منعها لو أدت المؤسسات مسؤولياتها في الوقت المناسب؟